تفاصيله كقولك : القرآن سور وآيات ، والإنسان عظام وعروق وأعصاب ، أو جعل تمييزا من متشابها كقولك : رأيت رجلا حسنا شمائل .
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
تشمئز خوفا مما فيه من الوعيد وهو مثل في شدة الخوف واقشعرار الجلد تقبضه . وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس بزيادة الراء ليصير باعيا كتركيب أقمطر من القمط وهو الشد .
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
بالرحمة وعموم المغفرة والإطلاق للإشعار بأن أصل أمره الرحمة وأن رحمته سبقت غضبه . والتعدية ب « إلى » لتضمين معنى السكون والاطمئنان ، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها .
ذلِكَ
أي الكتاب أو الكائن من الخشية والرجاء .
هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
هدايته
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
ومن يخذله
فَما لَهُ مِنْ هادٍ
( 23 ) يخرجهم
شرح
والإعجاز أو بكسر النون أي مثنى على اللّه بما هو أهله وقوله : « كتابا » لظاهر أنه بدل من « أحسن الحديث » ويجوز أن يكون حالا منه وقوله : « متشابها » صفة « لكتابا » وقوله : « مثاني » بفتح الياء صفة ثانية وإليه أشار المصنف بقوله : « وصف به كتابا » وهو جواب لما يقال :
الكتاب واحد فكيف وصف بالجمع ؟ والتفاصيل جمع تفصيل وهو جعل الشيء فصلا فصلا وتمييز بعضها عن بعض بجعل أبعاض الكتاب وأقسامه تفاصيل لكون كل واحد منها فصلا متميزا عن غيره . قوله : ( أو جعل تمييزا ) عطف على قوله : « وصف به كتابا » أي ويجوز أن يكون انتصاب مثاني على أنه تمييز من متشابها من جهة مثانيه لا على أنه صفة حتى يرد إشكال توصيف الواحد بالجمع . قوله : ( وتركيبه من حروف القشع ) يعني أن بين اقشعر والقشع اشتقاقا كبيرا لأن في اقشعر معنى القشع مع زيادة فهما مشتركا في أصل المعنى والحروف الأصلية ولا يخل بذلك اختصاص أحدهما بحرف زائد ليدل على معنى زائد .
والقماط حبل يشد به قوائم الشاة عند الذبح وكذلك ما يشد به الصبي في المهد يقال :
قمطت الشاة والصبي بالقماط أقمط قمطا ويقال : اقمطر الأمر اشتد واستغلق . قوله :
( والإطلاق ) أي إطلاق ذكر اللّه وعدم التعرض لصفة من صفاته التي يذكر بها للإشعار بأن مبني أمره تعالى على الرأفة والرحمة فإذا ذكر تعالى لا يخطر بالبال من صفاته إلا كونه رؤوفا رحيما فتلين جلودهم بذكره تعالى كما تقشعر بذكر وعيده . قوله : ( وذكر القلوب الخ ) جواب عما ذكره الزمخشري بقوله : فإن قلت لم ذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت القلوب بها ثانيا ؟ ومحصول جوابه : منع انفراد الجلود عن القلوب أولا بناء على أن الجلود لما ذكرت مقرونة بالخشية أولا فكأنها ذكرت مقرونة بالقلوب لكون الخشية من عوارض القلوب ، فكأنه قال : وذكر القلوب هنا لكونها مذكورة أولا بذكر ما هو من عوارضها . ثم إنه تعالى لما أنكر كون من شرح صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا بيانا لتفاوت حالهما في الدنيا