من الضلالة .
أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ
يجعله درقة يقي به نفسه لأنه يكون مغلولة يداه إلى عنقه فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه
سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
كمن هو آمن منه ، فحذف الخبر كما حذف في نظائره .
وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ
أي لهم ، فوضع الظاهر موضعه تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بالموجب لما يقال لهم وهو :
ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
( 24 ) أي وباله . والواو للحال و « قد » مقدرة .
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
( 25 ) من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ
الذل
فِي الْحَياةِ
شرح
أنكر كون من يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن منه بيانا لتفاوت حالهما في العقبى فقال :أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِالآية فكأنه قال : أيستوي من هداه اللّه ومن يضلله ؟ فمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو في رحمة اللّه وجنته . قوله : ( يجعله درقة ) هي الترس التي تعمل من الجلد فإن الأصل في التستر ووقاية النفس من المخاوف هو الترس ، فمن لم يجده يتستر ويتقي بيده أي بقي بها وجه ، لكون الوجه أعز الأعضاء عليه من حيث إنه محل الصباحة والحسن ومجمع الحواس الشريفة حتى كأن الإنسان عبارة عنه . ومن يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له . والحاصل أن من كان يقدر على الاتقاء جعل كل ما سوى الوجه وقاية لوجهه ثم قيل لمن يقع في النار : إنه يتقي بوجهه منها لا وقاية له سوى وجهه فيكون ذلك كناية عن أنه لا قدرة له على الاتقاء البتة ولا وقاية له أصلا ، ونظيره قول النابغة :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائبأي لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعيب فهو كناية عن أنه لا عيب فيهم بوجه من الوجوه ، فكذا ههنا فإن الاتقاء من النار بالوجه كيف يكون اتقاء منها وهو في نهاية الملابسة لها ؟ شبه وجهه بالترس ودل عليه بجعله آلة الاتقاء فهو من قبيل الاستعارة التخييلية . والواو في قوله تعالى :وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَللحال من فاعليَتَّقِي بِوَجْهِهِأي وقد قال لهم الخزنة : ذوقوا عقوبة كسبكم . ويجوز أن تكون للعطف فيكون المعطوف من تمام صلةأَ فَمَنْأي أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب وقيل له ذق جزاء كسبك كمن ليس بهذه الصفة ؟
وجمع الضمائر في آخر الآية لأن كلمة « من » تصلح للجمع . ثم إنه تعالى لما بيّن كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بيّن كيفية وقوعهم في عذاب الدنيا فقال :كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْأي من قبل كفار قومك أنبياء اللّه تعالى وحججهفَأَتاهُمُ الْعَذابُبسبب تكذيبهم فهو تهديد لكفار مكة وتسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما لقي من كفار قومه .