تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
المتعلق بالنفس القابلة للإسلام .
فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق . وعنه عليه الصلاة والسّلام : « إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح » . فقيل : فما علامة ذلك ؟ قال : « الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله » . وخبر « من » محذوف دل عليه
فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
من أجل ذكره وهو أبلغ من أن يكون عن مكان « من » ، لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبيا من قبوله من القاسي عنه لسبب آخر ، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر وأسنده إلى اللّه وقابله بقساوة القلب وأسنده إليهم .
أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 22 ) يظهر للناظر بأدنى نظر والآية نزلت في حمزة وعلي وأبي لهب وولده .
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
يعني القرآن . روي أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ملوا ملة
شرح
عبارة عن تهيئة النفس الناطقة وتقوية استعدادها لقبول الإسلام على طريق ذكر المحل وإرادة الحال ، فإن الصدر محل القلب الذي هو النبع للروح الحيواني الذي تتعلق به النفس أولا للطافته فذكر الصدر وأريد به النفس بهذه العلاقة ، ولما كان التعلق حاصلا بيّن كل منهما قال للروح المتعلق بالنفس بدل أن يقال للروح المتعلق للنفس . قوله : ( وهو أبلغ ) أي في الدلالة على تأبيهم عن قبول الحق وبيان إلا بلغية موقوف على معرفة الفرق بين تعدية القسوة بكلمتي « من » و « عن » فإنها إذا عديت ب « من » كانت « من » سببية كما في قولك : أطعمه من الجوع أي من أجله وبسببه . قال تعالى :مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا[ نوح : 25 ] وإذا عديت ب « عن » كانت للمجاوزة على أصلها بناء على تضمين القساوة معنى الإباء كأنه قيل : للآبية قلوبهم عن ذكر اللّه بسبب ما كما إذا قلت : أطعمه عن الجوع يكون المعنى أشبعه مبعدا إياه عن الجوع ، فمعنى من ذكر اللّه أن ذكر اللّه أحدث في قلوبهم القساوة . وإذا قلت : « عن ذكر اللّه لم يكن معناه ذلك بل يكون المعنى أن قلوبهم اشتدت وأبت عن قبول الحق وذكر اللّه بسبب ما إذا تقرر هذا الفرق ظهر أبلغية التعبير الأول بالنسبة إلى الثاني ، لأن القاسي عن الشيء من أجل نفسه أشد تأبيا عن قبوله من القاسي عنه بسبب آخر ، فإن قيل : ذكر اللّه تعالى سبب لحصول النور والحضور وزيادة الاطمئنان قال تعالى :أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[ الرعد : 28 ] فكيف جعل في هذه الآية سببا لحصول القسوة في القلب ؟ فالجواب أنه إذا كانت النفس خبيثة الجوهر مجبولة على الطبيعة البهيمية بعيدة عن الفضائل الروحانية ، فإن سماعها لذكر اللّه يزيدها قسوة وكدورة . فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس فإنه يسود وجد القصار ويبيض ثوبه ، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح ، ويذكر كلام واحد في مجلس واحد فيستطيبه شخص ويستكرهه آخر وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس ، فلا يبعد أن يكون ذكر اللّه تعالى يوجب النور