تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
امتحانا لصبره فيكون اعترافا بالذنب أو مراعاة للأدب . أو لأنه وسوس إلى أتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم ، أو لأن المراد من النصب والعذاب ما كان يوسوس إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الجزع . وقرأ « يعقوب » بفتح النون
شرح
فحمدك ، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لتحول عما هو عليه من شكرك وعبادتك . فقال تعالى : إني أعلم منه أنه يعبدني ويشكرني وإن لم يكن له سعة في الدنيا فقال إبليس : يا رب سلطني على جميع ما أنعمت به عليه ، فسلّط عليّ كل شيء من ماله وبنيه إلا على قلبه ولسانه وزوجته . فطفق إبليس يباشر سبب هلاك أمواله وأولاده وزوال صحة جسمه ، فكلما سعى في هلاك صنف من أمواله أهلكه اللّه تعالى لسؤال إبليس ذلك . وكان يجيء لأيوب في صورة القيم على ذلك الصنف ويخبره بهلاكه وأنه لم يبق منه شيء وأن يقوم على غيره ، فيجيبه أيوب عليه الصلاة والسّلام بقوله : الحمد للّه الذي أعطانيها وأخذها عريانا ، خرجت من بطن أمي وعريانا أعود في التراب وعريانا أحشر إلى اللّه عز وجل ، وليس لي أن أفرح حين أعارني وأن أغتم وأجزع حين قبض عاريته اللّه أولى بجميع ما أعطاني ، فله الحمد حين أعطاني وحين أخذ مني . والقصة مفصلة في البغوي . قوله : ( فيكون اعترافا بالذنب ) وذلك على الوجه الأول ظاهر إذ قوله : « مسني الشيطان » بنصب معناه حينئذ أصابني تعب منك بسبب ما فعلته لوسوسة الشيطان ، وهو اعتراف صريح به . وأما على الوجه الثاني فكونه اعترافا منه ليس بظاهر لأن المعنى حينئذ : إنه أصابني منك تعب بسبب أن الشيطان سأل منك ذلك فأي ذنب منه في أن عذبه اللّه تعالى إجابة لسؤال غيره . إلا أن يقال : إن الشيطان إنما سأل منه تعالى بناء على زعم أنه إن ابتلى بنزع ما هو فيه من النعم والعافية قصر في طاعته تعالى والرضى بقضائه بإظهار الجزع . ثم إنه لما ابتلى به ودعا ربه في كشف ذلك البلاء عد ذلك تقصيرا في الرضى بالقضاء هضما للنفس وإلا فالتضرع إلى اللّه تعالى في كشف الضر لا ينافي الصبر والرضى . قوله : ( أو مراعاة ) وجه ثان لإسناد المس إلى الشيطان لأن مآل ما تقدم واحد وهو الإسناد إلى السبب . وحاصله أن أيوب عليه الصلاة والسّلام تأدب في دعائه حيث لم ينسبه إلى اللّه تعالى مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو . قوله : ( أو لأنه وسوس إلى أتباعه ) فالذي مسه من النصب والعذاب هو ما فعل أتباعه من رفضهم وإخراجهم إياه من ديارهم إلى الصحراء وأسنده إلى الشيطان لكونه سببا حاملا لهم على ذلك بوسوسته إليهم . قرأ الجمهور بنصب بضم النون وسكون الصاد وهو أشد البلاء قيل : النصب ما أصابه في بدنه ، والعذاب ما أصابه في سائر ماله من النعم وفيه بعد . وقرىء بنصب بفتح النون وسكون الصاد على أنه المصدر يقال : نصبت لفلان نصبا إذا عاديته . وقرىء بفتحتين وهو لغة في نصب بالضم
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 206 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين