الشر ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى ، ويمكن تقييدها هذا . والأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالإقران في الصفد وهو القيد ، وسمي به العطاء لأنه يرتبط بالمنعم عليه وفرقوا بين فعليهما فقالوا : صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعده وأوعده وفي ذلك نكتة .
هذا عَطاؤُنا
أي هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة والتسلط على ما لم يتسلط عليه غيرك عطاؤنا .
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ
فأعط من شئت وامنع من شئت .
بِغَيْرِ حِسابٍ
( 39 ) حال من المستكن في الأمر أي غير محاسب على منّه . وإمساكه
شرح
قوله : ( ولعل أجسامهم شفافة صلبة ) إشارة إلى جواب ما يقال من أن هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة ، فإن كانت كثيفة وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة إذ لو جاز أن لا يراهم مع كثافة أجسادهم لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها وذلك سفسطة . وإن كانت أجسادهم لطيفة فمثل هذا يمنع أن يكون موصوفا بقوة شديدة يقدر بها على ما لا يقدر عليه البشر لأنه تتفرق أجسادهم وتتمزق بالرياح القاصفة فلا تطيق تحمل الأشياء الثقيلة بل تتأثر منها فتتفرق أجزاؤها فتموت في الحال ، وأيضا فالأجسام اللطيفة لا تقبل التقييد بالأصفاد والأغلال . فأجاب أولا بأن أجسامهم لطيفة وأن اللطافة لا تنافي الصلابة بمعنى الامتناع عن التفرق ، فلكونها لطيفة لا ترى ولكونها صلبة يمكن تقييدها وتحمل الأشياء الثقيلة . وثانيا بأنهم مع لطافة أجسامهم لما كانوا مسخرين مذللين لطاعته بتسخير اللّه تعالى إياهم له عليه الصلاة والسّلام كان قادرا على كفهم عن الإضرار للخلق ، فشبه كفه إياهم عن ذلك بالإقران في الصفد ، ثم اشتق من الإقران بهذا المعنى المجازي لفظ المقرنين فهو استعارة تبعية بمعنى ممنوعين من الشرور ومقرنين صفة لآخرين . قوله : ( وسمي به العطاء ) كما في قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : من برك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك . أي من أحسن إليك فقد قيدك . وقيل :وفدت عليك رقابها مغلولة * إن العطاء إسار كل مؤملشبه الإحسان بالإسار لأنه يتوسل به إلى ربط من أحسن إليه كالإسار وقوله : « وفرقوا بين فعليهما » أي فعلي الصفد بمعنى القيد وبمعنى العطاء ، فجعل فعل الصفد بمعنى الشر ثلاثيا وبمعنى الخبر رباعيا على عكس ، وعد وأوعد فإن الثلاثي فيه للخير والمنفعة والرباعي للشر والمضرة . قوله : ( وفي ذلك نكتة ) أي في كون أصفده للخير نكتة وهي أن الهمزة في أصفده للسلب أي أزال ما به من قيد الحاجة بأن أعطاه ما يدفع عنه حاجته ، بخلاف أوعده فإنه لغة أصلية موضوعة للشر والتهديد . قوله : ( غير محاسب على منه وإمساكه ) أي لا حرج عليك فيما أعطيت ولا فيما أمسكت فكان عليه الصلاة والسّلام أن أعطى أجر وإن لم يعط لم يأثم بخلاف غيره . قال الحسن : ما أنعم اللّه على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان فإنه