يسلب بعد مني هذه السلبة أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته كقولك لفلان : ما ليس لأحد من الفضل . والمال على إرادة وصف الملك بالعظم لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين ووجوب تقديم ما يجعل الدعاء بصدد الإجابة . وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء .
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
( 35 ) المعطي ما تشاء لمن تشاء .
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ
فذللناها لطاعته إجابة لدعوته وقرىء « الرياح »
تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً
لينة من الرخاوة لا تزعزع أو لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد .
حَيْثُ أَصابَ
( 36 ) أراد من قولهم أصاب الصواب فأخطأ الجواب .
وَالشَّياطِينَ
عطف على
« الرِّيحَ »
.
كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
( 37 ) بدل منه
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
( 38 ) عطف على « كل » كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن
شرح
قوله : ( أولا يصح لأحد من بعدي لعظمته ) أي وليس المقصود من قوله :لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِياستقلاله به بحيث لا يعطى أحد مثله ليكون منافسة في الملك وحرصا عليه بل المقصود منه توصيف الملك بكونه عظيما . وكنى عنه بذكر لازمه . ولا شيء في أن تتعلق همة العبد ويستوهب من مولاه نعما جليلة وألطافا عظيمة ، وإنما المحذور في أن يتمنى زوالها عن غيره . وقيل : إنما قال ذلك لأن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة عليها ، فكأنه قال : يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك الشر بالكلية حتى أحترز عنها ولا أكون مشغول القلب بها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل وأجزل . ولذلك كان يأكل خبز الشعير وينسج ورق النحل ويأكل من كد يديه ويجلس مع المساكين ويقول : أنا مسكين جالس مع المساكين . قوله : ( لا تزعزع ) الزعزعة تحريك الشيء يقال : زعزعته فتزعزع وريح زعزعان وزعزع أي تزعزع الأشياء ، ولا ينافيه قوله تعالى في آية أخرى :وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ[ الأنبياء : 81 ] لأن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما جرت بأمره كانت لينة طيبة . قوله :
( قرن بعضهم مع بعض ) شدد للكثرة يقال : قرنت الشيء بالشيء أي وصلته به . قال الإمام أبو منصور : كان عليه الصلاة والسّلام إذا امتنع أحد منهم من العمل له بالبناء والغوص وغير ذلك قيده بالغل ، وهو ما يجمع أيديهم إلى أعناقهم يدفع به شرهم عن الخلق والعملة منهم تبني له الأبنية الدقيقة البديعة ، ومنهم من يستخرج له من البحر الجواهر واللآلىء والحلي المثمنة . قال مقاتل : كان سليمان عليه الصلاة والسّلام أول من استخرج اللؤلؤ من البحر .