فأخبره آصف رضي اللّه عنه فكسر الصورة وضرب المرأة وخرج إلى الفلاة باكيا متضرعا وكانت له أم ولد اسمها أمينة إذا دخل إلى الطهارة أعطاها خاتمه وكان ملكه فيه ، فأعطاها يوما فتمثل لها بصورته شيطان اسمه صخر وأخذ الخاتم فتختم به وجلس على كرسيه فاجتمع عليه الخلق ونفذ حكمه في كل شيء إلا فيه وفي نسائه ، وغير سليمان عن هيئته فأتاها لطلب الخاتم فطردته فعلم أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يوما عدد ما عبدت الصورة في بيته فطار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يده فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به وخرّ ساجدا وعاد إليه الملك . فعلى هذا الجسد صخر سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه كان متمثلا بما لم يكن كذلك . والخطيئة تغافله عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل كان جائزا حينئذ وسجودا لصورة بغير علمه لا يضره .
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة لحالي . أو لا ينبغي لأحد أن
شرح
المراد من الجسد الملقى على كرسيه وعلى القول بأنه فتن لترك الاستثناء ، فالجسد الملقى على كرسيه هو شق غلام أي نصفه فإنه لما ولد جيء به وهو على كرسيه فوضع على حجره . قوله : ( ليكون معجزة لي مناسبة لحالي ) إنما طلب الملك من بين سائر المعجزات لأن الغالب في زمنه عليه الصلاة والسّلام الملك فطلب مثل ذلك ليكون حجة على نبوته ، لأن معجزة كل نبي كانت من جنس الغالب في زمانه كالسحر في زمان موسى عليه الصلاة والسّلام ، والإبراء من الجذام والبرص في زمن عيسى عليه الصلاة والسّلام فتحداهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، والفصاحة في زمان نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فتحداهم بأقصر سورة من كلام ذي العزة والكبرياء . فكذا سليمان عليه الصلاة والسّلام فإنه كان ملكا ومع ذلك استوهب من ربه ملكا زائدا خارقا للعادة بتسخير ما لم يسخر للإنس وهو الرياح والشياطين والطير فسخر له ذلك ، وكذا سخر له من الملك ما لم يتيسر لغيره مثل ذلك فإنه ورث ملك أبيه في عصر كيخسرو بن سياوس وسار من الشام إلى العراق فبلغ خبره كيخسرو فهرب إلى خراسان فلم يلبث قليلا حتى هلك ، ثم سار إلى هرمز ثم إلى بلاد الترك وجاز بلاد الصين ثم رجع إلى بلاد الفرس فنزلها أياما ثم عاد إلى الشام آمنا وبنى بيت المقدس ، فلما فرغ منه سار إلى تهامة ثم إلى صنعاء وتفقد الطير ، وكان من حديثه مع صاحبه آصف ما ذكره اللّه تعالى في كتابه الكريم ، وغزا في بلاد المغرب الأندلس وطنجة وأفرنجة ونواحيها . واللّه أعلم بحقيقة الحال . والحاصل أنه عليه الصلاة والسّلام لم يطلب ما طلبه منافسة في الملك أي رغبة فيه وحرصا على الاستقلال بالنعمة وحسدا على غيره بل إنما طلبه ليكون معجزة له وعين الملك لذلك كما ذكر .