الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
( 26 ) بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل فإن تذكرة يوم الحساب تقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى .
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
خلقا باطلا لا حكمة فيه أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
[ الأنبياء : 16 ] أو للباطل الذي هو متابعة الهوى بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
على وضعه موضع المصدر مثل هنيئا .
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
الإشارة إلى خلقها باطلا والظن بمعنى المظنون .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) بسبب هذا الظن .
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
« أم » منقطعة والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلا
شرح
المنصوبة ما يعم الدلائل العقلية والنقلية . قوله : ( بسبب نسيانهم ) إشارة إلى أن « ما » مصدرية والجار متعلق بالاستقرار الذي تضمنه لهم وكذا « يوم الحساب » متعلق به ظرف له أي لهم عذاب شديد يوم القيامة بنسيانهم القضاء بمقتضى الدلائل العقلية والنقلية أي بتركهم سلوك سبيل اللّه تعالى وضلالهم عنه . وقيل : يوم الحساب متعلق « بنسوا » على أنه مفعول به ومعناه : بما تركوا الإيمان بيوم الحساب أو بتركهم العمل لذلك اليوم . ويؤيده قوله تعالى :وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا[ ص : 27 ] فإنه تذكير عن نسيان يوم الحساب أي ما خلقت ما بينهما من المكلفين لأهملهم فلا آمرهم ولا أنهاهم بل خلقتهم لأمتحنهم وأكلفهم ، وإذا كلفتهم ميزت بين محسنهم ومسيئهم بالثواب والعقاب وذلك لا بد أن يكون يوم الحساب أي وذلك يقتضي وجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا ، لأن مدة هذه الحياة قليلة وأن صفاءها منسوب بالكدر فلا تصلح دار جزاء بل هي دار ابتلاء فقط والجزاء يكون في دار أخرى . قوله : ( خلقا باطلا ) إشارة إلى أن باطلا صفة مصدر محذوف وعلى قوله :
« ذوي باطل » يكون في موضع الحال من فاعل « خلقنا » . ويحتمل أن يكون حالا من مفعوله أي عاريا عن الحكمة وعلى قوله : « أو للباطل » يكون مفعولا له بأن يكون الباطل بمعنى العبث واللعب وموضوعا موضعه ، فإن شرط حذف اللام من المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل فلا بد أن يكون مصدرا أو مأولا به . قوله : ( مثل هنيئا ) تمثيل في كون الصفة موضوعة موضع المصدر فإن « هنيئا » صفة لمصدر محذوف أي كلوا أكلا هنيئا حذف المصدر ووضع هنيئا موضعه ، كما أقيم هنيئا مريئا في قوله :فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً[ النساء : 4 ] من قام المصدر وهما صفتان لمقدر أي كلوا أكلا هنيئا مريئا . قوله : ( بسبب هذا الظن ) فإن ظن أن لا حكمة له تعالى في خلق العالم كفر بالحشر والنشر وإثبات السفه له تعالى فيكون