وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً
إليه من كل جانب وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين لأن الحشر جملة أدل على القدرة منه مدرجا . وقرىء « والطير محشورة » بالابتداء والخبر
كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
( 19 ) كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح ، وهذا يدل على المداومة عليها أو كل منهما ومن داود مرجع للّه التسبيح .
وَشَدَدْنا مُلْكَهُ
وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود . وقرىء بالتشديد للمبالغة قيل : إن رجلا ادعى بقرة على آخر وعجز عن البيان فأوحي إليه : أن اقتل المدعى عليه فأعلمه فقال : صدقت . إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة ، فعظمت بذلك هيبته ،
شرح
قوله تعالى :( وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً )الجمهور على نصبهما على أن « الطير » معطوف على « الجبال » و « محشورة » على « يسبحن » أي وسخرنا له الطير مجموعة إليه من كل ناحية ، ولم يراع المطابقة بين الحالين أي لم يقل والطير يحشرن بلفظ الفعل ليطابق قوله : « يسبحن » ، لأن الأصل في الموضعين أن يؤتى بهما على لفظ الاسم ليطابق قوله : « سخرنا » إلا أنه عدل في التسبيح إلى لفظ المضارع للدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء وهذه الدلالة غير مقصودة في الحشر فجيء به على لفظ الاسم على الأصل . وذلك أنه لو قيل :
وسخرنا الطير يحشرن لدل على أن الحشر يوجد من حاشرها شيئا فشيئا والحاشر هو اللّه ، ولا نكتة في اعتبار التدريج لأن حشرها جملة واحدة أدل على القدرة . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها .
قوله : ( لأجل تسبيحه ) إشار إلى أن ضمير « له » راجع إلى داود بحذف المضاف ، وإلى أن هذه الجملة الاسمية كما تدل على موافقتهما لداود في التسبيح تدل أيضا على دوام موافقتهما له فيه وثباتهما عليه لأن « أواب » صيغة مبالغة وهي إنما تكون بالدوام والثبات على التسبيح بخلاف قوله : « يسبحن معه » فإنه إنما يدل على مجرد الموافقة . ثم ذكر أنه يجوز أن يكون ضمير له راجعا إلى اللّه تعالى وأن الأواب كناية عن المسبح المكرر للتسبيح والمكثر له على أن بناء المرجع للتكثير والمبالغة حيث ذكر الأواب وهو كثير الرجوع إلى التسبيح بشهادة المقام وأراد ملزومه وهو المرجع للتسبيح المكثر له لأن المرجع للشيء رجاع إليه يفعله مرة بعد أخرى ويرجع إلى فعله رجوعا بعد رجوع . قوله : ( وكثرة الجنود ) روى البغوي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أنه كان أشد ملوك الأرض سلطانا وكان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل . وفي الكشاف : قيل : كان يبيت حول محرابه أربعون ألف رجل مستلئم يحرسونه . والمراد بالمحراب الغرفة ، والمستلئم لابس اللأمة وهي الدرع ، والغيلة اسم من الاغتيال . الجوهري : الغيلة أن يخدع صاحبه ويذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله .