يَزِفُّونَ
( 94 ) يسرعون من زفيف النعام وقرأ حمزة على بناء المفعول من أزف أي يحملون على الزفيف ويزفون أي يزف بعضهم بعضا ، ويزفون من وزف يزف إذا أسرع ، ويزفون من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم إليه .
قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ
( 95 ) ما تنحتونه من الأصنام .
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
( 96 ) أي وما تعملونه فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم ولذلك جعل من أعمالهم فبإقداره إياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد أو عملكم بمعنى معمولكم ليطابق ما تنحتون أو أنه بمعنى
شرح
كسرها وذهب ولم يشعر بذلك أحد وكان إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر وقولهم :فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ[ الأنبياء : 61 ] يؤيد الثاني . قوله تعالى :( يَزِفُّونَ )حال من فاعل « أقبلوا » و« إِلَيْهِ »يجوز تعليقه بما قبله أو بما بعده . قوله : ( من زفيف النعام ) يريد أن أصل الزفيف للنعام وهو أشد عدوها يقال : زف الظليم الذكر من النعام يزف بكسر الزاي زفيفا أي عدا وأسرع في المشي مع تقارب الخطو . وزف القوم في مشيهم أي أسرعوا . ومنه الآية المذكورة على قراءة غير حمزة ، فإنهم قرؤوا بفتح الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء . وفسره في الكواشي بقوله : يسرعون في المشي مع تقارب الخطو . فإن قرىء بضم الياء مجهولا أو معلوما فهو من أزفه غيره أي حمله على الزفيف . وقرىء « يزفون » على وزن يعدون و « يزفون » على وزن يعزون . والحداء سوق الإبل وحملها على سرعة المشي بالنغمات . فلما أقبلوا إليه مسرعين أدركوه وأخذوه وعاتبوه على كسر الأصنام وقالوا : نحن نعبدها وأنت تكسرها فقال لهم على طريق التوبيخأَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَووجه التوبيخ ظاهر وهو أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبودا البتة ، فإذا نحته وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه إلا أثار تصرفه فلو صار معبودا له عند ذلك لزم أن يكون الشيء الذي لم يكن معبودا إذا حصل فيه آثار تصرفه صار معبودا له وفساد ذلك واضح عند كل من له أدنى تمييز . قوله : ( وما تعملونه إلى قوله أو عملكم بمعنى معمولكم ليطابق ما تنحتون ) إشارة إلى أن « ما » في و « ما تعملون » موصولة أو مصدرية على أن لا يكون المصدر بمعنى الحدث بل بمعنى المفعول وعلله بأن المقصود من قوله :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَالاحتجاج على المشركين في بطلان عبادة منحوتهم بأن العابد والمعبود جميعا خلق اللّه ، فكيف يعبد المخلوق المخلوق على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله ؟
ولولا العابد لما قدر المعبود أن يصور نفسه ويشكلها . وهذا المعنى لا يستفاد منه ظاهرا إلا بأن يحمل « ما » على أحد التفسيرين فإنه على كل واحد منهما يكون « ما تعملون » عبارة عن معمولكم كما أن « ما تنحتون » في معنى منحوتكم ، فتطابق الحجة المدعي وهو الإنكار