تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ولا منع منه مع أن قصده إيهامهم ، وذلك حين سألوه أن يعبد معهم .
فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
( 89 ) أراهم بأنه استدل بها لأنهم كانوا منجمين على أنه مشارف للسقم لئلا يخرجوه إلى معبدهم ، فإنه كان أغلب إسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوي وأراد أني سقيم القلب لكفركم ، أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجا قل من يخلو منه ، أو بصدد الموت ومنه المثل كفى بالسلامة داء وقول لبيد :
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا
ليصحني فإذا السلامة داء
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
( 90 ) هاربين مخافة العدوي
فَراغَ
شرح
( ولا منع منه ) جواب ما يقال من أن النظر في علم النجوم أو كتابها غير جائز فكيف أقدم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام عليه ؟ وتقريره : أنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام مطلقا لأن من اعتقد أن اللّه تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصية لأجلها يظهر منه أنه مخصوص ، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل مع أن فيه فائدة أخرى وهي أنه فعل ما يفعل الناظر في النجوم ليستدل بها على الحوادث من جهتها وأراد به أن يوهمهم أن النجوم تدل على أنه سيسقم غدا في مخرجه إن خرج معهم إلى موضع عيدهم ، فأراهم أنه يريد أن يتخلف عنهم في منزلة لئلا يتزايد به ما يحدث بسبب الحركة فوقع عندهم أنه كذلك فأعرضوا عنه مولين الأدبار فإنهم كانوا منجمين يقفون بها على أمورهم فعاملهم على مقتضى عادتهم احتيالا للتخلف عنهم . فإنه عليه الصلاة والسّلام لما كلّمهم في الأصنام ونهاهم عن عبادتها فلم يقبلوا منه أراد أن يريهم ما قال في الأصنام من أنها لا تضر ولا تنفع ، ولا تقدر أن تدفع عن نفسها من أراد بها سواء فكيف عن غيرها بأن يكسرها ؟ وكان يحتال إلى أن يحلو ببيت الأصنام فراقب الفرصة وانتظر عيدا لهم يخرجون فيه إلى الصحراء جملة فدعوه يومئذ إلى الخروج معهم فاحتال للتخلف عنهم بما ذكر . قوله : ( على أنه مشارف للسقم ) متعلق بقوله : « استدل » وإشارة إلى جواب ما يقال : إنه عليه الصلاة والسّلام لم يكن سقيما فكيف أخبرهم بخلاف حاله كاذبا . وتقرير الجواب : أن تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه أمره ليس بكذب بل هو واقع في القرآن والحديث نحو : إنك ميت وإنهم ميتون أي ستموت وسيموتون وقوله عليه الصلاة والسّلام : « من قتل قتيلا فله سلبه » أي من سيقتل وكما تقول لمن رأيته متجهزا للسفر : إنك مسافر . والعدوي مجاوزة الطاعون والجرب ونحوهما من صاحبه إلى غيره . قوله : ( أو بصدد الموت ) فيكون سقيما بالفعل بطريق التورية على أنه حامل للموت في عنقه ، ومن يحمل الطاعون فهو سقيم فحامل الموت أولى . روي أنه مات رجل فجأة فقيل : سبحان اللّه مات وهو صحيح فقال أعرابي : أصحيح من الموت في عنقه ؟
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 142 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين