فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
أشروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل فسألوا اللّه أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزود الأزواد ، فأجابهم اللّه بتخريب القرى المتوسطة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام « بعد » ويعقوب ربنا بالرفع « باعد » بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا في الترفيه وعدم الاعتداد بما أنعم اللّه عليهم فيه . ومثله قراءة من قرأ « « ربنا بعد » وبعد على النداء وإسناد الفعل إلى « بين » .
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
حيث بطروا النعمة ولم يتعدوا بها .
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
يتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل فيقولون تفرقوا أيدي سبأ
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
وفرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان .
إِنَّ فِي ذلِكَ
فيما ذكر
لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
عن
شرح
قوله : ( أشروا النعمة ) الأشر البطر يقال : أشر بالكسر يأشر أشرا فهو أشر وأشران كما يقال : بطر يبطر بطرا . والأشر والبطر الطغيان الحاصل بسبب كثرة النعمة . ويحتمل أن يكون قولهم هذا الفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره :
اضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه . ويحتمل أن يكون قولهم :رَبَّنا باعِدْمقولا بلسان الحال فإنهم لما كفروا صاروا كأنهم طلبوا أن يبعد بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم . قرأ العامة بنصب « ربنا » على النداء و « باعد » على لفظ الأمر من باب المفاعلة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بعد بتشديد العين على لفظ الأمر من باب التفعيل . وقرأ يعقوب « ربنا باعد » برفع « ربنا » على الابتداء و « باعد » على لفظ الفعل الماضي . وقرىء « ربنا » بالنصب على النداء و « بعد » على لفظ الماضي المبني للفاعل و « بعد » على لفظ الماضي المبني للمفعول ، وإسناد الفعل فيهما إلى « بين » ورفعه كقراءةتَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ[ الأنعام : 94 ] برفع بين . قوله تعالى :( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ )جمع حديث على غير القياس أي أهلكناهم كل إهلاك فصاروا عظة وعبرة لمن بعدهم فجعلناهم به مثلا للناس يتحدثون بما فعلوا وما فعل بهم ويتعجبون من أحوالهم في المجالس . وقوله :وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍبيان لجعلهم أحاديث فإن الناس ضربوا المثل بتفرقهم فقالوا : ذهبوا أيدي سبأ وأيادي سبأ أي تفرقوا في طرق شتى . واليد في كلام العرب تطلق على الطريق يقال : أخذ يد البحر أي طريقه .
وقيل : أيادي سبأ أولاده لأن الأولاد أعضاد الرجل لتقويه بهم والمعنى : تفرقوا مثل تفرق أولاد سبأ . وفي المفصل : الأيادي الأنفس كناية أو مجازا وهو أحسن من تفسيره بالطرق وبالأولاد . وسبأ مهموز في الأصل غير أنه التزم التخفيف في هذا المثل ، ولا بد من إضمار لفظ المثل في هذا المثل لأن أيدي سبأ وقع حالا من فاعل « ذهبوا » وهو معرفة لأن إضافته حقيقية ومن حق الحال أن تكون نكرة والتقدير : ذهبوا متفرقين . قوله : ( صبار عن