شرح
ويرى سواد القرية من القرية الأخرى لقربها منها . كانوا يسافرون من اليمن إلى الشام فيبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا ولا يحتاجون إلى حمل زاد ولا ماء من وادي سبأ إلى الشام ، أو ظاهرة للسابلة غير بعيدة عن مسالكهم حتى تخفى عليهم بل يرونها من متن الطريق . وهذا بيان لما أنعم اللّه تعالى به على سبأ بعد ما أرسل اللّه تعالى عليهم سيل العرم ، فإنه لما هلك مالهم قالوا : نحن نتوب ويرد علينا خيرنا فتابوا فرد اللّه عليهم خيرا أكثر مما هم عليه قبل أن يرسل عليهم سيل العرم . روى الإمام أبو الليث عن الكلبي أنهم قالوا للرسل : إنّا عرفنا نعمة اللّه تعالى ، فو اللّه لئن رد فئتنا وجماعتنا والذي كنا عليه لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه قوم قط . فدعت لهم الرسل ربهم فرد اللّه تعالى إليهم ما كانوا عليه فآتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة بعضها إلى بعض فذلك قوله تعالى :وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةًثم إنهم عادوا إلى كفرهم فأتاهم الرسل وذكروهم فكذبوهم فمزقهم اللّه كل ممزق . وقال غيره : قوله تعالى :وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيهاحكاية ما كانوا عليه قبل أن يرسل اللّه تعالى عليهم سيل العرم ، بيّن اللّه تعالى حال بلدهم أنها بلدة طيبة وأن لهم فيها جنات غزيرة البركات مكنهم منها وأمرهم أن يأكلوا من رزقه وأن يشكروا له ، ثم إنهم كفروا النعمة وأعرضوا عما وجب عليهم من الشكر فبدّل ما بهم من النعمة نقمة ، ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتهم بكثرة القرى من اليمن إلى الشام فبطروا النعمة وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب كما ملت بنو إسرائيل المن والسلوى وسألوا الثوم والبصل ، فتمنوا أن يجعل اللّه بينهم وبين الشام مفاوز وبوادي ليحتاجوا إلى أن يحملوا معهم أزوادهم وقالوا : لو كان جني الجنات أبعد مما هو عليه اليوم لكان أجدر أن نشتهيه فقالوا : ربنا باعد بين أسفارنا واجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل ونتزود الأزواد ، فجعل اللّه تعالى لهم الإجابة . ومعنى تقدير السير فيها جعل بعد ما بيّن كل واحدة منها في نصف يوم بحيث يقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعا ولا عطشا ولا عدوا ، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء . خص الليالي والأيام بالذكر مع أن السير لا يكون إلا فيهما للإشعار بأن الأمر لا يتفاوت باختلاف الأوقات أو للإشعار بأن الأمر يستمر وإن تطاولت مدة السفر على أن يراد بالأيام والليالي الكثرة والمواظبة على السير . وعلى الثالث يكون المقصود من ذكر الأيام والليالي الإشعار باستمرار الأمن وإن استغرق السفر ليالي المخاطبين وأيامهم مدة أعمارهم بأن يكون معنى قوله :لَيالِيَ وَأَيَّاماًلياليكم وأيامكم فتركت الإضافة اعتمادا على دلالة المقام على كون الجمع المضاف مستغرقا .