كل واحدة منهما في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة أو بستانا كل رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله .
كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ
حكاية لما قال لهم نبيهم أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك .
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
( 15 ) استئناف للدلالة على موجب الشكر أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره . وقرىء « الكل » بالنصب على المدح قيل : كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة ولا هامة .
فَأَعْرَضُوا
عن الشكر .
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم وعرم إذا شرس خلقه وصعب ، أو المطر الشديد
شرح
واحدة . قوله : ( أو بستانا كل رجل ) عطف على قوله : « جماعتان » . ويجوز أن يكون المراد بستانين اثنين وتعظيمهما من حيث إن مسكن كل رجل متوسط بينهما وكون جميع المساكن هكذا حالة عظيمة . قوله : ( أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك ) عطف على قوله :
« حكاية » لما لم يكن الأمر المذكور واقعا في زمان نزول الوحي على نبينا عليه الصلاة والسّلام وجب جعله محكيا بقول مضمر ومقولا بلسان من بعث إليهم من الأنبياء أو بلسان الحال ، أو جعله منزلا منزلة الوحي المحكي المقول لهم من حيث كونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك ، فكأنه قيل لهم ذلك فجيء بالجملة كما يجاء بها بعد القول .
قوله : ( استئناف ) فكأنه قيل : واشكروا له فإن بلدتكم بلدة طيبة وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب غفور ، فارتفاع كل واحد من « بلدة » و « رب » على أنه خبر محذوف . كانت بلدتهم أخصب البلاد وأطيبها حيث كانت المرأة تخرج فتحمل مكتلها على رأسها وتمر بين تلك الأشجار فيمتلىء مكتلها من ألوان الفاكهة من غير أن تمس شيئا بيدها ، وطيبها أنه لم يكن فيها عاهة كالوباء والحمى وغيرهما من الأمراض المتفرعة على وخامة الهواء ولا هامة وهي واحدة الهوام المؤذية . قيل : لم ير ببلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا حية ولا عقرب ، وكان الرجل الغريب يمر ببلدتهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل كله من طيب الهواء فذلك قوله تعالى :بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌأي طيبة الهواء . قوله تعالى :( فَأَعْرَضُوا )أي عن القيام بما وجب عليهم من شكر نعم اللّه تعالى وكذبوا رسلهم . قال وهب : أرسل اللّه تعالى إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى اللّه تعالى وذكروهم نعم اللّه تعالى عليهم وأنذروهم عقابه ، فقالوا : ما نعرف للّه عز وجل علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعم عنا إن استطاع ، فانتقم اللّه تعالى منهم بأن أرسل عليهم سيلا غرق أموالهم وخرب ديارهم . قوله : ( سيل الأمر العرم ) على أن يكون العرم صفة مشبهة من العرام وهي الشدة والصعوبة يقال : عرم