للمحسن والمسئ معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان .
جَنَّتانِ
بدل من « آية » أو خبر محذوف وتقديره : الآية جنتان . وقرىء بالنصب على المدح والمراد جماعتان من البساتين
عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ
جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله
شرح
والقياس فتح الكاف لأن الفعل متى ضمت عين مضارعه أو فتحت يجيء الزمان والمكان والمصدر منه على مفعل بفتح العين والكسر مسموع على غير القياس والمسكن ههنا موضع السكون ، وأما الجمع فهو الظاهر لأن كل واحد منهم له مسكن على حدة . ورسم مسكنهم في المصاحف بدون ألف بعد الكاف فلذلك احتمل القراءات المذكورة . قوله : ( بدل من آية ) وهي اسم كان قدم عليه خبره أبدل المثنى من المفرد بيانا له وتفسيرا بناء على أن البدل على تقدير المضاف أي لقد كان لهم آية قصة جنتين وإلا لكان الظاهر أن يقال : آيتان جنتان ، ونظيره قوله تعالى :وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً[ المؤمنون : 50 ] فإن الظاهر أن يقال : آيتين إلا أنه أفرد آية لكون المعنى : وجعلنا أمرهما وحالهما آية وهي ولادتها إياه من غير أن يمسها بشر ، على أن الجنتين المحيطتين بمسكنهم آية واحدة في نفسها دالة على وجود الصانع وعلى كونه قادرا على ما يشاء من الأمور العجيبة الخارجة عن وسع البشر ، فلما كان المفرد المذكور صادقا على هذا المثنى صح إبدالهما منه على سبيل البيان والتفسير . وقوله : « معاضدة » صفة ثانية لقوله : « علامة » أشار به إلى وجه مناسبة قصة سبأ لقصتي داود وسليمان عليهما الصلاة والسّلام ، وهو أن في قصتهما دلالة على وجود الصانع وكمال قدرته وأنه مجاز للمحسن والمسئ حيث جازى كل واحد منهما بما يخصه من الفضل العظيم وقال فيمن يزيغ منهم عما أمر اللّه تعالى من طاعة سليمان نذقه من عذاب السعير ، وكذا في قصة سبأ دلالة على وجود الصانع وكمال قدرته لأن ما أعطاهم من أنواع الشجر وألوان الثمر خارج عن وسع البشر . وفيها أيضا دلالة على أنه تعالى مجاز للمحسن والمسئ حيث كلفهم شكر ما أنعم عليهم من جلائل النعم ليزيد عليهم من فضله ، ثم قال :فَأَعْرَضُواوعما كلفوا به من الشكرفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِفالعلامة التي اشتملت عليها هذه القصة معاضدة للبرهان السابق لمدلول عليه بقصتهما ذكر اللّه تعالى هذه القصة لمشركي العرب تحذيرا لهم من أن ينزل بهم بشؤم شركهم وسوء أفعالهم ما نزل بأولئك على كثرتهم وقوتهم . قوله : ( والمراد جماعتان ) جواب عما يقال :
كيف عظم اللّه تعالى جنتي أهل سبأ وجعلهما آية دالة على ما ذكر مع أن المسكن المتوسط بين جنتين كثير في الدنيا ؟ وتقرير الجواب أن ما ذكرت إنما يرد أن لو كان المراد بستانين اثنين فحسب وليس كذلك بل المراد جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شماله سميت كل جماعة منها جنة لكونها في تقاربها وتضامها كأنها جنة