وَالطَّيْرَ
رجعي معه التسبيح ، أو النوحة على الذنب . وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها ، أو سيري معه حيث سار . وقرىء « أوبي » من الأوب أي ارجعي في التسبيح كلما رجع فيه وهو بدل من « فضلا » أو من « آتينا » بإضمار قولنا أو قلنا .
وَأَلَنَّا
عطف على محل الجبال . ويؤيده القراءة بالرفع عطفا على لفظها تشبيها للحركة البنائية العارضة بحركة الإعراب أو على « فضلا » أو مفعول معه « لأوبي » . وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بالعطف على ضميره وكان الأصل : ولقد آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال والطير ، فبدل به هذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها .
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
( 10 ) وجعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بآلاته أو بقوته .
أَنِ اعْمَلْ
أمرناه أن اعمل .
شرح
أو يكون إسناد التسبيح إليها من قبيل إسناد الفعل إلى السبب الحامل . قوله : ( أو سيري معه ) عطف على قوله : « رجعي » قيل : قوله : « أوبي » من التأويب في السير وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا فالمعنى : سيري معه حيث شاء . وفي التيسير : كانت الجبال تسير مع داود عليه الصلاة والسّلام حيث شاء . قوله : ( والطير عطف على محل الجبال ) فإن عامة القراء نصبوا « والطير » عطفا على محل « يا جبال » لأن كل منادى في موضع النصب أو على « فضلا » بمعنى وسخرنا له الطير حكاه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء وهو كقوله : علفتها تبنا وماء باردا بتقدير وسقيتها ماء باردا . ويرد على جعله منصوبا على أنه مفعول معه أنه كيف يجوز ذلك وقد ذكر قبله لفظة « معه » والعامل الواحد لا يقتضي أكثر من مفعول معه واحد إلا بالبدل أو بالعطف فلا يقال : جاء زيد مع بكر مع عمرو . قوله : ( وعلى هذا ) أي على جواز كونه مفعولا معه يجوز أن يكون ارتفاع « والطير » بناء على عطفه على ضمير « أوبي » والتقدير : أوبي معه أنت والطير كقوله تعالى :فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ[ المائدة : 24 ] إلا أن المرفوع المتصل في « أوبي » لم يؤكد بمنفصل استغناء عنه بالفصل بينه وبين المعطوف بالظرف . قوله : ( وكان الأصل ) يعني لما كان قوله تعالى :يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُبدلا من « فضلا » أو من « آتينا » بإضمار القول كان ظاهر أن يقال : لا يؤتى بصورة النداء أو لا يحتاج إلى الإضمار ، إلا أنه أوثر هذا النظم لما فيه من فخامة أمر التأويب فإن التصدير بالنداء يدل على أن ما يذكر بعده أمر مهم يعتني بشأنه . ومن الدلالة على عظمة شأنه تعالى قوله تعالى :وَأَلَنَّاعطف على « آتينا » وجوز أن يكون كلمة« أَنِ »في قوله تعالى :أَنِ اعْمَلْمفسرة ومصدرية ولما كان من شرط المفسرة أن يتقدمها ما هو بمعنى القول ولم يتقدم هنا إلا قوله : « ألنا » قدر ما هو بمعنى القول أي وأمرناه أن اعمل ، وإن كانت مصدرية كان الكلام مبنيا على حذف حرف