الكذب .
بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ
( 8 ) رد من اللّه تعالى عليهم ترديدهم وإثبات لهم ما هو أفظع من القسمين وهو الضلال البعيد عن الصواب بحيث لا يرجى الخلاص منه ، وما هو مؤداه من العذاب وجعله رسيلا له في الوقوع ومقدما عليه في اللفظ للمبالغة في استحقاقهم له . والبعيد في الأصل صفة الضال ووصف الضلال به على الإسناد المجازي
أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ
تذكير بما يعاينونه مما يدل على كمال قدرة اللّه وما يحتمل فيه إزاحة
شرح
يكون من كلام السامع المجيب لمن قال :هَلْ نَدُلُّكُمْوهمزة « أفترى » مفتوحة لكونها همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل . قوله : ( رد من اللّه تعالى عليهم ترديدهم ) والمعنى ليس الأمر على ما زعموا من أن يكون مفتريا أو يكون به جنون بل الذين لا يؤمنون بالآخرة أي بالبعث والثواب والعقاب في العذاب أي واقعون في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك وذلك غاية الجنون والحماقة . قوله :
( وجعله رسيلا له ) أي جعل العذاب تابعا مقارنا للضلال حيث عطف أحدهما على الآخر بالواو المؤذنة بالاجتماع في الوقوع مع أن ضلالهم كائن في الدنيا والعذاب في الآخرة ومع ذلك قدمه على الضلال في اللفظ للمبالغة في استحقاقهم له . ورسيل الرجل الذي يراسله مراسلة في نضال أو غيره والمراد هنا مطلق الاتصال والمقارنة والبعد عن الحق في الأصل صفة الضال أسند إلى ضلاله للملابسة بينهما ، ولما كان الضلال بعيدا عن الحق كان الضال أبعد . ثم إنه تعالى لما ذكر ما يدل على إثبات الساعة من كونه عالم الغيب ومن اقتضاء حكمته أن يهيىء للمكلفين دار المجازاة ليجزي كل واحد من المحسن والمسئ على حسب عمله ذكر دليلا آخر يتضمن التهديد والتوحيد فقال :أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْأي إلى ما هو محيط بهم من جميع جوانبهم وهو السماء والأرض ، فإن الإنسان أينما توجه وحيث ما نظر رأى السماء والأرض قدامه وخلفه وعن يمينه وشماله وهما يدلان على وحدانية الصانع وعلى كمال قدرته ومن قدر على خلقهما قدر على الحشر والإعادة لا محالة قال تعالى :أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ[ يس : 81 ] ثم هددهم بقوله :إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِكأنه قيل : إنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم وأني قادر عليهم إن شئت خسفت بهم أرضي وإن شئت أسقطت عليهم قطعة من سمائي ثم قال :إِنَّ فِي ذلِكَأي فيما ترون من السماء والأرضلَآيَةًتدل على قدرة اللّه تعالى على البعث وعلى ما يشاء من الخسف بهم ونحوه من وجوه القهر والإهلاك .