الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا
فأظهر براءته من مقولهم يعني مؤداه ومضمونه . وذلك أن قارون حرض امرأة على قذفه بنفسها فعصمه اللّه كما مر في القصص . أو اتهمه ناس بقتل هارون لما خرج معه إلى الطور فمات هناك فحملته الملائكة ومروا بهم حتى رأوه غير مقتول . وقيل : أحياه اللّه فأخبرهم ببراءته . أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة لفرط تستره حياء فأطلعهم اللّه على أنه بريء منه .
وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً
( 69 ) ذا قربة ووجاهة منه . وقرىء « وكان عبد اللّه وجيها » .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
في ارتكاب ما يكرهه فضلا عما يؤذي رسوله .
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
( 70 ) قاصدا إلى الحق . من سد يسد سدادا . والمراد النهي عن ضده
شرح
الرسول بشيء فأتوا منه ما استطعتم باطمئنان قلب وصدق رغبة فيما دعاكم إليه ولا تجدوا في أنفسكم حرجا مما قضى به عليكم وسلموا تسليما . قوله : ( فأظهر براءته من مقولهم ) يعني أن بناء فعل للنسبة كما في قولك : فسقه وبدعه لا للتعدية وما يقال من أن كلمة « ما » في قوله تعالى :مِمَّا قالُواإما مصدرية أو موصولة فعلى الأول يكون المعنى : فأظهر براءته من تكلمهم وعلى الثاني من كلامهم . ولا معنى للبراءة من تكلمهم لأن البراءة إنما تكون من نحو الدين والعيب لا من التكلم والكلام فالجواب أن الكلام وإن كان مجردا منهما بحسب الظاهر إلا أنه ينبغي أن تجعل كلمة « ما » موصولة ويكون معنى البراءة من كلامهم البراءة من مؤداه ومضمونه . قوله : ( فأطلعهم اللّه تعالى على أنه بريء منه ) روي أن موسى عليه الصلاة والسّلام خلا يوما في موضع ليغتسل فيه فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها ففر الحجر بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول :
ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن الرجال خلقا وأظهر اللّه براءته مما كانوا يقولون ، فوقف الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بالعصا . فو اللّه إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا . والأدرة نفخة تكون في الخصية . قوله تعالى .( عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً )بيان لوجه تبرئة اللّه تعالى إياه كأنه قيل : ولوجاهته عنده أماط عنه ما نسب إليه من العيب والنقصان كما يفعل الملك بمن له عنده قربة وقدر .
والوجيه فعيل من وجه الرجل وجاهة بضم العين وعطف قوله : « فبرأه اللّه مما قالوا : بالفاء على قوله : « آذوا » صريح في أن المشبه به من اتصف بأمرين ترتب ثانيهما على الأول : وهما إيذاء من له وجاهة عند اللّه وانتقام اللّه من المؤذي بإظهار براءة الوجيه وتفضيح المؤذي وتخجيله ، فكان مدلول الآية أيها المؤمنون لا تؤذوا نبيكم فإنكم إن أذيتموه تكونوا كالذين أذوا موسى فبرأه اللّه تعالى مما قالوا فتفضحون بإظهار شرفه وتنكيس رؤوسكم . قوله :
( قاصدا إلى الحق ) أي عدلا مستويا في تأدية الحق والوصول إليه من القصد بمعنى العدل