تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 669

مساهمون:

ص٦٦٩
بنيته ورخاوة قوته ، لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين .
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً
حيث لم يف ولم يراع حقها .
جَهُولًا
( 72 ) بكنه عاقبتها . وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب . وقيل : المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية والاختيارية وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن إدائها . ومنه قولهم : حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته ، فيكون الإباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منه . والظلم والجهالة للخيانة والتقصير . قيل : إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما وقال لها : إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها ونارا لمن عصاني . فقلن : نحن مسخرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولا عقابا . ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته . ولعل المراد بالأمانة العقل والتكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن ، وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم القابلية والاستعداد وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها ، وكونه ظلوما جهولا
شرح
الأمانة على الجماد وإبائه وإشفاقه وإن كان أمرا مستحيلا في نفسه إلا أنه يصح فرضه وجعله مشبها به . والغرض من التشبيه تصوير عظم شأن الأمانة والعرض والإشفاق والإباء على حقائقها والحمل بمعنى الاحتمال والإلزام لرعاية حقها . قوله : ( وهذا وصف للجنس ) يعني أن التعريف في قوله تعالى :وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُتعريف الجنس وصح توصيف الجنس بوصف باعتبار وجوده في بعض أفراده فكيف إذا وجد في أكثر أفراده ؟ واحتيج إلى هذا التوجيه لأن الصديقين والأبرار من بني آدم حاشاهم أن يكونوا ظلوما جهولا . قوله : ( وقيل الخ ) أي قيل : المراد بالأمانة الطاعة المجازية المتناولة لما يليق بالجمادات والمكلفين من الحيوانات ، فينبغي أن يحمل العرض على معنى مجازي يصح تعلقه بالفاعل المختار وغيره وهو مجرد الاستدعاء وإرادة صدوره من غيره . ومعنى قوله :فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهاوَحَمَلَهَا الْإِنْسانُفأبين الخيانة فيها بأن لا يؤدينها أي ولم يؤدها إلى صاحبها ولم يخلص ذمته من عهدتها روي عن الحسن أنه قال : الكافر والمنافق حملها أي الأمانة أي خانا ولم يطيعا ، ومن أطاع من النبيين والصديقين والمؤمنين فلا يقال فيه كان ظلوما جهولا ، وتصديق ذلك ما بعده من قوله تعالى :لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِالآية . قوله : ( وقيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام الخ ) فعلى هذا القول يكون العرض تخييرا لا إلزاما والإباء لاختيار أحد الأمرين مخافة وخشية لا مخالفة ومعصية قالوا : إن كان هذا عرض تخيير فقد تركنا الثواب مخافة العقاب نطيعك ولا نعصيك طرفة عين طاعة طبيعية على حسب ما خلقنا عليه ولا نلتزم ما يشق علينا رعاية حقه . قال الحسن ومقاتل : قال اللّه تعالى لآدم أتحمل هذه الأمانة