ويؤيده قول عائشة : خيّرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاخترناه فلم يعد طلاقا . وتقديم التمتيع على التسريح المسبب عنه من الكرم وحسن الخلق . وقيل : لأن الفرقة كانت بإرادتهن كاختيار المخيرة نفسها فإنها طلقة رجعية عندنا ، وبائنة عند الحنفية . واختلف في
شرح
نسائه . وكان تحته عليه الصلاة والسّلام يومئذ تسع نسوة خمس من قريش : عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة ، وغير القرشيات : زينب بنت جحش الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية وجورية بنت الحارث المصطلقية . فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت اللّه تعالى ورسوله والدار الآخرة وتابعها سائر نسوته . ظاهر الآية يدل على أنه عليه الصلاة والسّلام خيّرهن بين أن يخترن الدنيا وبين أن يخترن اللّه ورسوله إلا أنهن إن اخترن الدنيا وزينتها فارقهن ، وليست بصريحة في أن ذلك كان تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس اختيارهن أنفسهن فلذلك اختلف العلماء في هذا الخيار ؛ هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس اختيارهن من غير تطليق الزوج إياهن أولا ؟ فذهب الأكثرون إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى :فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه عليه الصلاة والسّلام قال لعائشة : « لا تعجلي حتى تستشيري أبويك » . وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور . وذهب آخرون إلى أنه كان تفويض طلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا ، فإن الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء ولو اختارت نفسها يقع طلقة واحدة بائنة عندنا ورجعية عند الشافعية . وقال زيد بن ثابت : إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة وإن اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن وبه قال الإمام مالك . وروي عن عليّ أيضا أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة رجعية وإن اختارت نفسها فطلقة بائنة . وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء .
قوله : ( وقيل لأن الفرقة ) أي قيل في جواب ما يقال : إن حق التمتيع أن يؤخر عن التسريح لكونه مسببا عن التسريح وحق المسبب أن يتأخر عن سببه أن الفرقة لم تقع بتسريحه عليه الصلاة والسّلام إياهن حتى يقال : التسريح سبب للتمتيع فكان حقه أن يقدم ، بل الفرقة وقعت بإرادتهن الدنيا بدل إرادة اللّه ورسوله وتلك الإرادة هي سبب التمتيع فهو مذكور في موقعه وأصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المنخفض يطلب بذلك أن يرتفع إلى مكانه ثم كثر حتى استوت الأمكنة ، واستعماله في طلب الإقبال مطلقا حتى يقوله من في المكان المنخفض لمن في المكان المرتفع يريد أن يقول : انزل إلي . قوله :