سمع بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة ، ثم خرج إليهم في ثلاثة آلاف والخندق بينه وبينهم ، ومضى على الفريقين قريب شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة .
حتى بعث اللّه عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم ، وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض ، وكبرت الملائكة في جوانب المعسكر فقال طليحة بن خوليد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء . فانهزموا من غير قتال
وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ
من حفر الخندق وقرأ البصريان بالياء أي بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة .
بَصِيراً
( 9 ) رائيا .
شرح
ذكر شأن الكفار والمنافقين مع أهل الإسلام وما يدل على وجوب التوكل على اللّه وكفايته في الأمور كلها فقال :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِالآية وذكر النعمة شكرها . وغطفان أبو قبيلة وهو غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان ، وقيس أبو قبيلة من مضر وهو قيس غيلان ، والصباريح تجيء من قبل المشرق والدبور من قبل المغرب ، والنبل السهام العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها . قوله : ( فأخصرتهم ) أي أبردتهم . والخصر بالتحريك البرد وقد خصر الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه . وسفت التراب سفيا أي ذرته وطيرته . والذاريات الرياح .
قوله : ( فالنجاء ) أي الزموا النجاء من قولك : نجوت نجاء أي أسرعت والهمزة فيه منقلبة عن واو كما في كساء . أقبلت قريش في أيام الخندق في عشرة آلاف من الأحابيش وهم الجماعات المتفرقة اجتمعوا على أمر واحد من بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان ، وخرج غطفان معهم في ألف ومن تبعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصين وعامر بن الطفيل من هوازن ، ومعهم يهود قريظة والنضير ، وحين سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإقبالهم أشار عليه سلمان رضي اللّه عنه بحفر الخندق على المدينة ، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين وضرب معسكره والخندق بينه وبين العدو وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآكام واشتد الخوف ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل اللّه النصر . روي أن شابا قال لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد اللّه هل رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : أي واللّه لقد رأيت . قال : واللّه لو رأيناه لحملناه على رقابنا وما تركناه يمشي على الأرض . وقال له حذيفة : يا ابن أخي أفلا أحدثك عني وعنه ؟ قال : بلى .
قال : واللّه لو رأيتنا يوم الخندق وما بنا من الجهد والجوع والخوف ما لا يعلمه إلا اللّه لما قلت ذلك ، قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فصلّى ما شاء اللّه من الليل فقال : « ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله اللّه رفيقا لي في الجنة » فو اللّه ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع . ثم صلى ما شاء اللّه ثم قال : « ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله اللّه رفيقا لي في الجنة » . فقال