الهجرة .
إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً
استثناء من أعم ما يقدر الأولوية فيه من النفع ، والمراد بفعل المعروف التوصية أو منقطع .
كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
( 6 ) كان ما ذكر في الآيتين ثابتا في اللوح أو القرآن . وقيل : في التوراة .
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ
مقدرا باذكروا ميثاقهم عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم
وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
خصّهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع وقدم نبينا تعظيما له .
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
( 7 ) عظيم الشأن أو مؤكدا باليمين والتكرار لبيان هذا الوصف .
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ
أي فعلنا ذلك ليسأل اللّه يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عما
شرح
بالمعروف هنا الوصية فالأجنبي أحق بالوصية من القريب فإن القريب لا يستحق شيئا من تركة الميت بجهة الوصية وإنما يستحقه بجهة الإرث ، وذلك أن اللّه تعالى لما نسخ التوارث بالولاية في الدين وبالهجرة أباح أن يوصي للذين يتولونه ما أحب من الثلث . ويجوز أن يكون استثناء منقطعا بناء على أن المراد بما فيه من الأولوية هو التوارث فيكون الاستثناء من خلاف الجنس المدلول عليه بمعجز الكلام ومعناه ، كأنه قيل : لا تورثوا غير أولي الأرحام لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء فيكون له ذلك بالوصية لا بالميراث ، وعدي تفعلوا ب « إلى » لأنه في معنى تسدوا وتزلوا أي تعطوا وتسوقوا . وفي الحديث : « من أزلت إليه نعمة فليشكرها » .
قوله : ( كان ما ذكر في الآيتين ) جعل ذلك إشارة إلى نسخ ما ذكر في قوله تعالى :ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْوفي قوله :النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَتحقيقا وتقريرا لمضمونهما ، ولو جعل إشارة إلى نسخ التوارث بالهجرة والولاية وجعله منوطا بالرحم والقرابة لكان له وجه ظاهر . ثم إنه تعالى لما أكد ما ذكره في الآيتين ذكر أن المقصود من بعثة الأنبياء وأخذ عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم أن يسأل الصادقين عن صدقهم والكاذبين عن كذبهم فيجازي كل فريق بما يستحقه لتحريض المكلفين على قبول أحكامه فقال :وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْوالمراد بالميثاق المأخوذ منهم إرسالهم وأمرهم بتبليغ ما أوحي إليهم أخذ من كل واحد منهم عهده بذلك حين أرسله . فسر الصادقين أولا بالأنبياء الذين صدقوا اللّه في عهدهم وجعل المسؤول عنه ما قالوه لقومهم أو تصديق القوم إياهم . قوله :
( لأنهم مشاهير أرباب الشرائع ) وآدم عليه الصلاة والسّلام وإن كان أقدم الأنبياء إلا أن المقصود الأولى من خلقه عمارة الدنيا ببث الأولاد فيها ونبوته كانت من قبيل إرشاد الآباء الأولاد إلى التوحيد وحسن المعاشرة ، ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب بخلاف الأنبياء المذكورين في الآية فإنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو العزم من الرسل .