وتصريح . والجمع للحمل على المعنى
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى
فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة . وقيل : المأوى جنة من الجنان
نُزُلًا
سبق في آل عمران
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 19 ) بسبب أعمالهم أو على أعمالهم .
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ
مكان جنة المأوى للمؤمنين .
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها
عبارة عن خلودهم فيها
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
( 20 ) إهانة لهم وزيادة في غيظهم
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى
عذاب الدنيا يريد ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر .
شرح
منه تعالى إليه قبل العمل كالتخليق والترزيق وغيرهما ، والثواب الواصل منه تعالى إليه بعد العمل إنما هو تفضل محض وعطية مبتدأة وليس جزاء للعمل السابق ، إلا أنه تعالى سماه جزاء تشبيها بالجزاء في وقوعه بعد العمل وإظهارا لكرمه وسبق رحمته حيث لم يعتد بما أنعم به عليه سابقا ولم يطلب من العبد أن يشكره بمقابله ذلك وجعله تفضلا محضا بل وعد الجزاء والثواب بمقابلة إحسان العبد وقال له : كلما عملت حسنة ضاعفت لك أجرا وثوابا .
ثم إذا عرف أن هذا من فضل اللّه تعالى وكرمه فالواجب من جانب العبد أن يقول : فعلى جزاء نعم اللّه السابقة ولا استحق به جزاء فإذا أثابه اللّه تعالى يقول : الذي أتيت به كان جزاء وهذا ابتداء إحسان من اللّه تعالى يستحق بذلك ثناء وشكرا ، فيأتي بمقابلته حسنة وطاعة فيقول اللّه تعالى بمقتضى كرمه وفضله : إني أحسنت إليه جزاء فعله الأول وما فعلته أولا إنما فعلته تفضلا لا أطلب شكره فيجازيه ثالثا فيشكر العبد ثالثا فيجازيه رابعا . وعلى هذا لا تنقطع المعاملة بين الرب والعبد . ثم إنه تعالى لما بيّن فظاعة المجرمين ونكس رؤوسهم في موقف الحساب ووصف ثواب المؤمنين وما أخفي لهم من قرة أعين قال :أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاًثم صرح بأنهما لا يستويان ثم فصل طريق امتياز أحدهما عن الآخر بقوله :أَمَّا الَّذِينَ آمَنُواالآية والنزل ما أعد للنازل من طعام وشراب وصلة وانتصابه على الحال من « جنات » والعامل فيها الظرف قال الشاعر :وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلاوقوله تعالى في حق المؤمنين لهم بلام التمليك زيادة إكرام لهم لأن من قال لغيره : اسكن هذه الدار يكون محمولا على العارية وله استردادها ، وإذا قال له : هذه الدار لك يكون محمولا على نسبة الملكية إليه وليس له استردادها . ألا ترى أنه تعالى لما قال لآدم :اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[ البقرة : 35 ؛ الأعراف : 19 ] أخرجهما منها ولو قال : لكما الجنة لما أخرجهما ، ولما لم يكن للمؤمنين الخروج من الجنة في الآخرة قال لكم الجنة ولهم جنات . ثم إنه تعالى لما هددهم بالعذاب الأكبر الذي هو عذاب النار