تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
النار ، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببا عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
فإنه من الوسائط والأسباب المقتضية له .
إِنَّا نَسِيناكُمْ
تركناكم من الرحمة أو في العذاب ترك المنسي . وفي استئنافه وبناء الفعل على « أن » واسمها تشديد في الانتقام منهم .
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 14 ) كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة من التكذيب والمعاصي ، كما علّله بتركهم تدبر أمر العاقبة والتفكر فيه دلالة على أن كلا منهما يقتضي ذلك .
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها
وعظوا بها
خَرُّوا سُجَّداً
خوفا من عذاب اللّه .
وَسَبَّحُوا
نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث .
بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
حامدين له خوفا من عذاب اللّه وشكرا على ما وفقهم للإسلام وآتاهم الهدى .
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
( 15 ) عن الإيمان والطاعة كما
شرح
كل نفس هداها لآتيناها ذلك لكن لم نؤتها ذلك لعدم مشيئتنا إياه ولم نشأ ذلك لثبوت الحكم وسبق الوعيد بأن من أهل الفريقين من هو أهل النار وهم الذين ثبت في علمه تعالى أنهم يختارون الحظوظ العاجلة على السعادات الباقية ويتركون التفكر في العاقبة ترك الشيء المنسي . قوله : ( ولا يدفعه جعل ذوق العذاب الخ ) جواب عما يقال : إن الآية تدل على أن جميع ما هم عليه من سوء الحال مستند إلى القضاء السابق المتعلق بشقاوتهم لأنه يفهم منه أن عدم إيمانهم يستند إلى سبق الحكم بأنهم من أهل النار فيلزم منه أن يكون ذوق العذاب مستندا إلى الحكم المذكور ، فكيف جعل مستندا إلى نسيانهم العاقبة أليس هما متدافعين ؟ وتقرير الجواب أنه لا تدافع بينهما لأن نسيان العاقبة من العلل المتوسطة لذوق العذاب واستناده إلى النسيان لا ينافي استناده بالآخرة إلى الحكم المذكور ، فإنه تعالى إنما قضى وحكم بذلك لعلمه بأنه يترك تفكر العاقبة ترك الشيء المنسي ، فإن قيل : النسيان معفو عنه لقوله عليه الصلاة والسّلام : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » فكيف يؤاخذهم اللّه تعالى بسبب نسيانهم ؟ فالجواب أنه ليس المراد بالنسيان المذكور بقوله : بما نسيتم نسيان السهو والغفلة إذ لا تبعة بما فعل في حال السهو والغفلة ، ولأن النسيان إنما يكون بطريان الجهل على ما علم سابقا والمشركون لم يعتقدوا حقيقة البعث حتى يلحقهم نسيان بل المراد به عدم التذكر به مع ظهور براهينه فإن من انهمك في اتباع الشهوات وأعرض عن التفكر في العاقبة والتزود لها بالإيمان والطاعة مع وضوح دلائلها ووفور دواعي التهيؤ لها بمنزلة من علمها ثم نسيها ، فلذلك عبّر عن تذكرها والتفكر فيها بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين لأمر ظاهر . وقوله : « إنا نسيناكم بمعنى جازيناكم » جزاء نسيانكم ويسمى