تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً
حجة وقيل : ذا سلطان أي ملكا معه برهان .
فَهُوَ يَتَكَلَّمُ
تكلم دلالة كقوله :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
[ الجاثية : 29 ] أو نطق
بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ
( 35 ) بإشراكهم وصحته أو بالأمر الذي بسببه يشركون به وألوهيته
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً
نعمة من صحة وسعة
فَرِحُوا بِها
بطروا بسببها
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
شدة
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
بشؤم معاصيهم
إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ
( 36 ) فاجؤوا القنوط من رحمته . وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
فما لهم لم يشكروا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 37 ) فيستدلون بها على كمال القدرة
شرح
أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناًفإن أم » فيه منقطعة والهمزة التي في ضمنها للإنكار أي أنزلنا عليهم حجة تتكلم أي تدل وتشهد بإشراكهم به أي باللّه تعالى وصحته . ويحتمل أن تكون « أم » متصلة ويقدر عديلها قبلها والتقدير : أيشركون بمجرد التشهي واتباع الهوى أم أنزلنا عليهم سلطانا فهم لذلك معذورون في الشرك في الرخاء مع إضلالهم في الشدة . قوله : ( أو بالأمر الذي ) على أن تكون « ما » في قوله :بِما كانُواموصولة وأن يكون المراد بالسلطان ملك معه برهان لأن نفس الحجة لا تتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون ، فإن المراد بالأمر دليلهم الذي أشركوا بسببه ، ثم ذكر من جملة قبائحهم بطرهم عند النعمة ويأسهم عند الشدة فقال :وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَيعني الكفرةرَحْمَةً فَرِحُوا بِهافرح البطر وتركوا الشكروَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌأي أمر يسوءهم من قحط ومجاعةبِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْأي بسبب معاصيهم سواء كسبوها بأيديهم أم لا ، وقيّدها باليد إقامة للأكثر مقام الكل واتباعا للأقل بالأكثر ، لأن أكثر المعاصي يقع باليدين لم يذكر اللّه تعالى ما يكون سببا لإذاقة الرحمة وذكر سبب إصابة السيئة إياهم ، لأن الأول تفضل من اللّه تعالى ورحمة محض لا يقتضيه شيء من أعمال العبد بخلاف الثاني فإنه مقتضى العدل فإنه تعالى يجازي المعصية بما يماثلها من العقوبة . فإن قيل : الفرح بالنعمة مأمور به لقوله تعالى :قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا[ يونس : 58 ] فكيف ذمهم ههنا على الفرح بالرحمة ؟ أجيب بأن المأمور به الفرح برحمة اللّه تعالى من حيث إنها مضافة إليه والمذموم ههنا هو الفرح بنفس الرحمة حتى لو كان المطر مثلا من عند غير اللّه تعالى لكان فرحهم به مثل فرحهم إذا كان من اللّه ، ولا شك أن قصر النظر على نفس النعمة مقتضى البهيمية بخلاف الفرح الناشئ من تذكر المنعم إياها وملاحظة أن المنعم نظر إليه بعين الرأفة ونظر الرضى وفرق بين الفرحين . ثم إنه تعالى أنكر على فرحهم حال الرخاء وقنوطهم حال البلاء فقال :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُأي كيف يفرحون ويقنطون حالي السراء والضراء أو لا يعلمون أن ضر المرء ليس لهوانه على اللّه تعالى ولا سعته لكرامته عليه