تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به .
فِطْرَتَ اللَّهِ
خلقته نصب على الإغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعده
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
خلقهم عليها وهو قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو ملة الإسلام ، فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها .
شرح
الوجه إليه حقيقة فلذلك جعله من قبيل التمثيل بمعنى أنه شبه إقبال القلب على الدين وثباته عليه واهتمامه برعاية حدوده وأركانه بإقبال الشخص إلى موضع معين وقصده إياه وتقويم وجهه إلى سمته معتقدا بأنه لو انحرف عنه ضل عن مقصده فعبر عن المشبه باسم المشبه به وهو التقويم ثم اشتق منه أقم . قوله : ( نصب على الإغراء ) أي الزموا فطرة اللّه أو عليكم فطرة اللّه أو على المصدر أي المصدر المؤكد لمضمون الجملة كقوله :صِبْغَةَ اللَّهِ[ البقرة : 138 ] وصُنْعَ اللَّهِ[ النمل : 88 ] أي فطركم اللّه فطرة . فسر الفطرة بالخلقة ثم بيّن أن المراد بها أحد ثلاثة أوجه فتكون الخلقة على جميع تلك الوجوه بمعنى ما خلق عليه المكلف . الوجه الأول أن تكون الفطرة عبارة عن قبولهم الحق وتمكنهم من إدراكه ، فإنه تعالى خلق المكلفين على الجبلة السليمة والطبع المتهيىء لقبول الدين الحق وهو التوحيد والطاعة فلو تركوا عليها لاستمروا على لزومها لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول ويقتضيه النظر الصحيح ، ولا يعدل عنه أحد إلا بآفة عارضة كالتقليد وإغواء شياطين الإنس والجن ، فمن سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره ويؤيده قوله عليه الصلاة والسّلام : « كل من يولد يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جذعاء حتى تكونوا أنتم تجذعونها ؟ قالوا : يا رسول اللّه أفرأيتم من يموت وهو صغير ؟ قال : اللّه أعلم بما كانوا يعملون » . قال الإمام القاشاني في تأويلاته : قوله تعالى :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى[ النحل : 60 ] أي الوصف الأعلى بالفردانية في الوجود والوحدة الذاتية وما أحسن قول مجاهد في معناه : هو لا إله إلا اللّه فأقم وجهك للدين التوحيد ، والوجه هو الذات الموجودة مع جميع لوازمها وعوارضها وإقامته للدين تجريده عن كل ما سوى الحق قائما بالحق والوقوف مع الحق غير ملتفت إلى نفسه ولا إلى غيره ، حنيفا مائلا منحرفا عن الأديان الباطلة التي هي طريق الأغيار والأنداد لمن أثبت غيره بإشراكه باللّهفِطْرَتَ اللَّهِأي الزموا فطرة اللّه وهي الحال التي فطرت الحقيقة الإنسانية عليها من الصفاء والتجرد في الأزلي وهي الدين القيم أزلا وأبدا لا يتغير ولا يتبدل عن الصفاء الأزلي ومحض التوحيد الفطري ، وتلك الفطرة الأزلية ليست إلا من الفيض الأقدس الذي هو عين الذات من وقع عليها لم يمكن انحرافه عن التوحيد واحتجابه عن الحق ، وإنما يقع الانحراف والاحتجاب من غواشي النشأة وعوارض الطبيعة عند الخلق والتربية والعادة . أما الأول فلقوله عليه الصلاة والسّلام في الحديث القدسي : « كل عبادي