وقيل : العهد المأخوذ من آدم وذريته .
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
لا يقدر أحد أن يغيره أو ما ينبغي أن يغير .
ذلِكَ
إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة
الدِّينُ الْقَيِّمُ
المستوي الذي لا عوج فيه .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 30 ) استقامته لعدم تدبرهم .
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
راجعين إليه من أناب إذا رجع مرة بعد أخرى . وقيل : منقطعين إليه من الناب وهو حال من الضمير في الناصب المقدر لفطرة اللّه أو في « أقم » لأن الآية
شرح
خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري » . وأما الثاني فلقوله عليه الصلاة والسّلام : « كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه » لا أن تتغير تلك الحقيقة في نفسها عن الحالة الذاتية فإنه محال وذلك معنى قوله :لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِوَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَتلك الحقيقة . انتهى كلامه قدس سره . والوجه الثاني أن تكون الفطرة عبارة عن الدين الذي هو ملة الإسلام فإن الدين والملة متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فإن كل واحد منهما عبارة عما شرعه اللّه تعالى لعباده وسنه لهم على لسان أنبيائه ليتوصل به إلى أجل ثوابه ، إلا أن ذلك يسمى ملة باعتبار أنه تعالى أنزل في حقه ما يمليه العباد ويكتبونه ويتدارسونه فيما بينهم لأن الملة من أملت الكتاب أي أمليت ، ويسمى دينا باعتبار طاعة العباد لمن سنه وانقيادهم لأمره من قولهم : دان له أي ذل وأطاع ، والناس مفطورون على ملة الإسلام ضرورة أنهم مخلوقون على قبول ما تطابقت الأدلة العقلية على حقيته وصدقه والاتصاف به فكانوا مخلوقين على الإسلام إلى أن صرفهم عنه صارف ، فالظاهر على هذا الوجه أن يكون فطرة اللّه منصوبا على الإغراء إذ ليس لقولنا : فطرهم اللّه فطرة هي الإسلام وجه ظاهر . والوجه الثالث أن يراد بالفطرة العهد المأخوذ عليهم بقوله تعالى :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ الأعراف : 172 ] وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفة التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره . قال اللّه تعالىوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[ الزخرف : 87 ] وقالوا :ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ[ الزمر : 3 ] ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والعقل ، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسّلام بقوله : « يهودانه وينصرانه » جعله في حكم أبويه مع وجود هذا الإيمان الفطري فيه ؟ قوله : ( لا يقدر أحد أن يغيره ) على تقدير أن يراد بفطرة اللّه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام ، فإن خلقهم على هذه القابلية أمر تعلق به قضاء اللّه تعالى وإرادته فمن يقدر على تغييره . قوله : ( أو ما ينبغي أن يغير ) على تقدير أن يراد بها الإسلام أو الإقرار الفطري فيكون « لا تبديل » نفيا في معنى النهي . قوله : ( إذا رجع مرة بعد أخرى ) مبني على أن همزة أناب أفعل من النوبة . قوله : ( من الناب ) وهو السن