خطاب للرسول والأمة لقوله :
وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 31 ) غير أنها صدرت بخطاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تعظيما له .
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ
بدل من المشركين وتفريقهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم . وقرأ حمزة والكسائي « فارقوا » بمعنى تركوا دينهم الذي أمروا به
وَكانُوا شِيَعاً
فرقا تشايع كل إمامها الذي أصل دينها .
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
( 32 ) مسرورون ظنا بأنه الحق . ويجوز أن يجعل
« فَرِحُونَ »
صفة
« كُلُّ »
على أن الخبر
« مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا »
.
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ
شدة
دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
راجعين إليه من دعاء غيره
ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً
خلاصا من تلك الشدة .
إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
( 33 ) فاجأ فريق منهم الإشراك بربهم الذي عافاهم
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
اللام فيه للعاقبة . وقيل : للأمر بمعنى التهديد لقوله :
فَتَمَتَّعُوا
غير أنه التفت فيه مبالغة وقرىء « وليتمتعوا »
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
( 34 ) عاقبة تمتعكم . وقرىء بالياء على أن تمتعوا ماض .
شرح
فكأن القائل جعل همزة أناب للصيرورة بمعنى صار ذا ناب وجعله كناية عن التقوى بالانقطاع إليه تعالى . قوله تعالى :( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )قيل : إنه متصل بما قبله والمعنى :
فأقيموا الصلاة ولا تتركوها فشؤم تركها قد يفضي إلى الكفر . قال محمد بن أسلم الطوسي :
بلغني عن النبي عليه الصلاة والسّلام أنه قال : « من ترك صلاة متعمدا فقد كفر » وقد كان بلغني عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال : « إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه تعالى فإن وافق كتاب اللّه تعالى فاقبلوه ، وإن خالفه فردوه » . فطلبت صحة الحديث الأول في القرآن ثلاثين سنة حتى وجدته في هذه الآية . كذا في التيسير . قوله : ( ويجوز أن يجعل فرحون صفة كل ) والتقدير : كل حزب فرحون بما لديهم كائنون من الذين فرقوا دينهم وجعلوه أديانا مختلفة على حسب اختلاف أديانهم . وإنما رفع « فرحون » على أنه صفة « كل » وإن كان الشائع في مثله أن يكون تابعا للمضاف إليه لأن كلا كأسماء العدد في أن الوصف الذي يجيء بعدها ينبغي أن يكون للمضاف إليه فإنك تقول : جاءني ثلاثة رجال كاملين ولا تقول : كاملون . ثم إنه تعالى وبخ هذه الفرق المختلفة الأديان بقولهوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّأي شدة كالمرض والقحط ونحوهما يعني أنهم يتفقون عند إصابة الضر في دعاء رب العالمين راجعين إليه من دعاء غيره .
قوله : ( اللام فيه للعاقبة ) أي لم يترتب على إشراكهم سوى الكفر بنعمة الإنجاء من تلك الشدة . ثم إنه تعالى أضرب عن تقريعهم على إشراكهم حال الرخاء وإنابتهم إليه حال الشدة إلى تقريعهم بوجه آخر وهو اتخاذهم الدين من غير حجة تدل على صحته فقال :أَمْ