بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
بالإشراك
أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
جاهلين لا يكفهم شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه .
فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
فمن يقدر على هدايته
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
( 29 ) يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم من آفاتها .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
فقومه له غير ملتفت أو ملتفت عنه وهو تمثيل
شرح
فبالعتق ، فمملوكه تعالى لا خروج له عن الملك بوجه من الوجوه فإذا لم يجز أن يكون مملوك يمينكم شريكا لكم مع أنه يجوز أن يصير مثلكم من جميع الوجوه بل هو في الحال مثلكم في الأدمية حتى أنكم ليس لكم تصرف في روحه وآدميته بقتل وقطع وليس لكم منعهم من العبادة وقضاء الحاجة ، فكيف يجوز أن يكون مملوك اللّه تعالى الذي لا يتصور خروجه عن ملك اللّه تعالى وهو مملوك له من جميع الوجوه شريكا له ؟ وأشير إلى الثالث بقوله :
« من شركاء فيما رزقناكم » يعني في الذي هو في الحقيقة ليس لكم بل هو للّه ومن رزقه حقيقة فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك فيما هو لكم من حيث الاسم وفي ظاهر الأمر فكيف يجوز أن يكون له تعالى شريك فيما هو له حقيقة بل كل شيء فهو للّه تعالى وما تدعون إلهيته لا يملك شيئا أصلا فلا يعبد لعظمته ولا لمنفعة تصل إليكم منه ، وأما قولكم « هؤلاء شفعاؤنا » فليس كذلك لأنه إذا لم يكن لما ملكت أيمانكم مع مساواته إياكم في الحقيقة والصفة حرمة عندكم كحرمة الأحرار ، فكيف يكون حال المماليك الذين لا مساواة بينهم وبين المالك الحق بوجه من الوجوه ، هل يتصور أن يكون لهم حرمة عند المالك المطلق ؟ وإلى هذا أشير بقوله تعالى :تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْثم إنه تعالى لما بيّن بطلان الشرك بما ضربه من المثل بعد بيان دلائل الوحدانية وبعدما بين حسن ذلك التمثيل بقوله :
« وكذلك نفصل » أي مثل ذلك التفصيل العجيب والبيان الغريب نبين الآيات قال :بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْأي لكن الذين أشركوا اتبعوا أهواءهم فيما ذهبوا إليه من الشرك من غير دليل جهلا بما يجب عليهم ، ثم بيّن أن ذلك بإرادة اللّه تعالى حيث قال :فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُأي هؤلاء أضلهم اللّه فلا هادي لهم فلا يحزنك شأنهم ، ثم قال : إذا بان لك بطلان الشرك بما أوضحنا لك من الآياتفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاًأي غير ملتفت يمينا وشمالا ، هذا على أن يكون « حنيفا » حالا من فاعل « أقم » أو غير ملتفت عنه على أن يكون حالا من « الدين » . والحنيف من الحنف وهو الاعوجاج في الرجل بأن تقبل إحدى إبهامي رجليه على الأخرى والرجل أحنف ، وقد سمي المسلم المستقيم في أمر الدين حنيفا بطريق تسمية أحد الضدين باسم الآخر تلميحا كما يسمى الغراب أعور ، أو لكونه مائلا إلى الدين الحق في كل حال وكل وقت . قوله : ( وهو تمثيل ) لأن الدين هو الإقبال على طاعة اللّه تعالى بالجنان واللسان والأركان ، وهو ليس من قبيل الأعيان الخارجية حتى يتصور تقويم