قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً
اعتراض عليهم بأن فيها من لم يظلم أو معارضة للموجب بالمانع وهو كون النبي بين أظهرهم .
قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ
تسليم لقوله مع ادعاء مزيد العلم به ، وأنهم ما كانوا غافلين عنه ، وجواب عنه بتخصيص الإهلاك بمن عداه وأهله ، أو تأقيت الإهلاك بإخراجهم منها . وفيه تأخير البيان عن الخطاب
إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
( 32 ) الباقين في العذاب أو القرية .
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ
جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء و « إن » صلة لتأكيد الفعلين واتصالهما
وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم : ضاقت يده وبإزائه : رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقا له ، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا ينال قصير الذراع .
وَقالُوا
لما رأوا فيه أثر الضجرة
لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ
على تمكنهم منا
إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
( 33 ) وقرأ حمزة وابن كثير
شرح
لإهلاك قومه وجعلهم مبشرين ومنذرين حيث جاؤوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة ثم قالوا :إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِوقدموا البشارة على الإنذار لكون البشارة إثر الرحمة والإنذار إثر الغضب ورحمة اللّه تعالى سابقة على غضبه . ثم إن إبراهيم لما سمع قول الملائكةإِنَّا مُهْلِكُواأظهر الإشفاق على لوط ونسي نفسه وما بشروه به ولم يظهر له فرحا وقال :إِنَّ فِيها لُوطاًثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه وقالوا : إنك ذكرت لوطا وحده ونحن ننجيه وننجي معه أهله . فانظر إلى شفقة كل واحد منهم في حق أهل الخير .
قوله : ( اعتراض عليهم ) يعني ليس مقصوده عليه الصلاة والسّلام من إلقاء هذه الجملة الخبرية إلى الملائكة إفادة مضمونها لهم ولا إفادة كونه عالما بمضمونها ، لأن كل واحد منهما معلوم عند الرسل بل الفائدة في إلقائها إليهم ما اقتضاه المقام من الاعتراض وإظهار الشفقة عليه . ولما كان منشأ اعتراضه قول الملائكةإِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِأجاب الملائكة عنه بما يحتمل أن يكون بيان تخصيص أو بيان توقيت ، الأول مبني على كون قوله عليه الصلاة والسّلام أن فيها لوطا اعتراضا والثاني مبني على كونه معارضة . قوله : ( صلة لتأكيد الفعلين واتصالهما ) فإنه لو لم يذكر كلمة « أن » لكان معنى الكلام وجود الفعلين أي مجيء الرسل ومساءة لوط عليه السّلام بسببهم مرتبا أحدهما على الآخر فزيادة « أن » أكدت هذا المعنى بحيث صارا كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان . قوله : ( لأن طويل الذراع ) بيان لوجه كون طول الذراع وضيقه عبارتين عن القدرة والعجز وهو أنه من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب . والذرع والذراع من المرفق إلى أطراف الأصابع . فإن لوطا عليه السّلام لم يعلم أنهم ملائكة بل ظن أنهم غرباء ضافوه وخاف عليهم من قومه وما كان منهم