الثانية
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
( 28 ) استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع وتحاشت عنه النفوس حتى أقدموا عليها لخبث طينتهم .
أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ
وتتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال ، أو بالفاحشة حتى انقطعت الطرق ، أو تقطعون سبيل النسل بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث .
وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
في مجالسكم الغاصة . ولا يقال النادي إلا لما فيه أهله المنكر كالجماع والضراط وحل الإزار وغيرها من القبائح عدم مبالاة بها . وقيل : بالخذف ورمي البنادق .
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 29 ) في استقباح ذلك أو في دعوة النبوة المفهومة من التوبيخ
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي
بإنزال العذاب
عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
( 30 ) بابتداع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب .
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى
بالبشارة بالولد والنافلة
قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
قرية سدوم والإضافة لفظية لأن المعنى على الاستقبال .
إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ
( 31 ) تعليل لإهلاكهم بإصرارهم وتماديهم في ظلمهم الذي هو الكفر وأنواع المعاصي .
شرح
بتعاقب الأشخاص وذلك إنما يكون بوجود الولد وبقائه بعد الأب ، فظهر به أن كل واحد من الزنى واللواطة فاحشة . فإن الزنى وإن كان مؤديا إلى وجود الولد لكنه لا يؤدي إلى بقائه لأن المياه إذا اشتبهت لا يقرب الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق عليه فيضيع الولد ويهلك .
فتبين أن الزنى ليس فيه مصلحة البقاء فلذلك قال اللّه تعالى :وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً[ الإسراء : 32 ] فإذا كان الزنى شهوة قبيحة خالية عين المصلحة مع أنه يفضي إلى وجود الولد تبين كون اللواطة فاحشة بطريق الأولى . قوله : ( في مجالسكم الغاصة ) أي الممتلئة بأهلها فإن النادي إنما يطلق على المجلس ما دام فيه القوم فإذا قاموا عنه لا يسمى ناديا ، وكل ما كان إسراره معصية فابداؤه أفحش وأقبح فلذلك قيل : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له . والخذف بالخاء المعجمة رمي الحصاة بين الأصابع . روي عنه عليه الصلاة والسّلام : « إنهم كانوا يخذفون أهل الأرض ويسخرون منهم » وقيل : كانوا يجلسون على الطرق وعند كل واحد قصعة فيها حصى فمن مر بهم خذفوه فمن أصابه منهم فهو أحق به فيأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم ولهم قاض يقضي بينهم بذلك ومنه قولهم : هو أجور من قاضي سدوم . قوله : ( لأن المعنى على الاستقبال ) واسم الفاعل يعمل إذا كان للاستقبال فيكون « مهلكوا » مضافا إلى معموله فتكون إضافته لفظية لما دعا على قومه بقوله :رَبِّ انْصُرْنِي[ المؤمنون : 26 و 39 ؛ العنكبوت : 30 ] استجاب اللّه دعاءه وأرسل ملائكة