وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها . وثاني مفعولي « اتخذتم » محذوف ، ويجوز أن يكون
« مَوَدَّةَ »
المفعول الثاني بتقدير مضاف أو بتأويلها بالمودودة أي اتخذتم أوثانا سبب المودة بينكم . وقرأها نافع وابن عامر وأبو بكر منونة ناصبة بينكم ، والوجه ما سبق . وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس مرفوعة مضافة على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة بينكم . والجملة صفة أوثانا أو خبر أن على أن
« ما »
مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول . وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح بينكم كما قرىء
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 94 ] وقرىء « إنما مودة بينكم »
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
أي يقوم التناكر والتلاعن بينكم أو بينكم وبين الأوثان على تغليب المخاطبين كقوله :
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
[ مريم : 82 ]
وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ
( 25 ) يخلصونكم منها .
شرح
كيفية الإنجاء بقوله : « بأن جعلها عليه بردا وسلاما » فإن قيل : الحرارة للنار صفة لازمة ذاتية كالزوجية للأربعة فكيف يمكن أن تفارقها ؟ فالجواب : إنّا لا نسلم أن الحرارة مقتضى ذات النار بل إنما هي بإرادة الفاعل المختار فجاز أن يزيل عنها تلك الكيفية فتبقى نورا محضا لا إحراق لها ، كما أن الماء له كيفية البرودة لكن قد تزول عنه البرودة ويبقى ماء بلا برودة ، فكذلك النار يجوز أن يزول عنها الإحراق وتبقى نورا غير محرق . وقيل : كيفية إنجائه منها أنه تعالى خلق في إبراهيم كيفية استبرد معها النار . وقال بعضهم : ترك إبراهيم على ما هو عليه وترك النار على ما كانت عليه ومنع أذى النار عنه والكل ممكن واللّه تعالى قادر عليه ، والبعد بحسب العادة لا ينافي الوقوع لأنه معجز والمعجز لا بد أن يكون خارقا للعادة إلا أن قوله تعالى :قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً[ الأنبياء : 69 ] يؤيد ما ذكره المصنف حتى روي أنه لم ينتفع بالنار أحد يوم ألقي إبراهيم في النار لذهاب حرها . ثم إنه تعالى قال في حق سفينة نوح عليه السّلام :وَجَعَلْناها آيَةً[ العنكبوت : 15 ] وقال في إنجاء إبراهيم عليه السّلام :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍلأن الإنجاء بالسفينة شيء تسع له العقول ولم يكن فيها من الآيات إلا أنه تعالى أعلمه باتخاذها لوقت الحاجة فإنه لولاه لما اتخذها لعدم علمه بالغيب ، وأما الإنجاء من النار ففيه آيات ذكرها المصنف . وقال تعالى في حق السفينةآيَةً لِلْعالَمِينَ[ العنكبوت : 15 ] وقال ههنا : آياتلِقَوْمٍيؤمنون لأن السفينة بقيت أعواما ومر عليها طوائف الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد ، بخلاف تبريد النار فإنه لم يبق فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به بالفحص عنه والتأمل فيه .