طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر .
إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
مرجع من آمن منكم ومن أشرك ومن بر بوالديه ومن عق
فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 8 ) بالجزاء عليه . والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة فإنها لما سمعت بإسلامه حلفت أن لا تنتقل من الضح ولا تطعم وتشرب حتى يرتد ولبثت ثلاثة أيام كذلك ، وكذا التي في لقمان والأحقاف
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ
( 9 ) في جملتهم والكمال في سلاح منتهى درجات المؤمنين ومتمنى أنبياء اللّه المرسلين ، أو في مدخلهم وهي الجنة .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ
بأن عذبهم الكفرة على الإيمان
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ
ما يصيبهم من أذيتهم في الصرف عن الإيمان
كَعَذابِ
شرح
أعماله تحريضا على طاعة مولاه . فهذا وجه اتصال الآية بما قبلها واللّه أعلم . قوله : ( ولا بد من إضمار القول ) بعد قوله :« حُسْناً »على تقدير أن يكو ن « وصيناه » بمعنى أمرناه أي أمرناه بكذا وقلنا : إن جاهداك ليكون المعطوف جملة خبرية كالمعطوف عليه ، ولا يلزم عطف الإنشاء على الإخبار ومن هذا يعلم أن الجملة الشرطية إنما تكون خبرية إذا لم يكن جزاؤها إنشاء وقوله : « إن لم يضمر قبل » يدل على أنه لا بد من إضمار القول على تقدير أن يكون وصى بمعنى قال وليس كذلك ، لأن الجملة الشرطية الإنشائية حينئذ تكون معطوفة على الإنشائية المقدرة الناصبة لقوله : « حسنا » .
قوله : ( من الضح ) وهو الموضع الذي يقع عليه ضوء الشمس . وفي الحديث : « لا يقعد أحدكم بين الضح والظل فإنه مقعد الشيطان » . قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا )يجوز أن يكون في محل الرفع على الابتداء أو في محل النصب على الاشتغال . قيل : الفائدة في إعادةالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِأن ذكرهم أولا لبيان حال المهتدين وثانيا لبيان حال الهادين ، ويدل عليه أنه تعالى قال أولا :لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْوقال ثانيا :لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَوالمراد بهم الهداة لكون الصلاح المحض منصب الأنبياء عليهم السّلام ولهذا قال إبراهيم عليه السّلام :وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ[ النمل : 19 ] هذا ما قيل والظاهر أن الأول ذكر لتقرير قوله :فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ[ العنكبوت : 6 ] والثاني ذكر تحريضا للإنسان على قبول ما وصى به . وحاصل الأول وعد وتحريض على طاعة المولى فيما كلف به ، والثاني وعد وتحريض على طاعة الوالدين في غير المعصية . ثم إن المكلفين ثلاثة أقسام : مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده ، وكافر مجاهر بكفره وعناده ، ومذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده . فاللّه تعالى لمّا ذكر القسمين بقوله :فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَوبيّن أحوالهما بقوله :أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ