تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
حسن أو كأنه في ذاته حسن لفرط حسنه ووصى يجري مجرى أمر معنى وتصرفا . وقيل : هو بمعنى قال ، وقلنا له أحسن بوالديك حسنا . وقيل : حسنا منتصب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية قلنا أولهما أو أفعل بهما حسنا ، وهو أوفق لما بعده وعليه يحسن الوقف عليّ بوالديه . وقرىء « حسنا » حسانا
وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
بإلهيته عبر عن نفيها بنفي العلم بها إشعارا بأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم بطلانه فضلا عما علم بطلانه
فَلا تُطِعْهُما
في ذلك فإنه لا
شرح
لنفسه وأنه يجزى بأحسن جزاء أعماله ، حرّضه على طاعة والديه لكونهما سببا بحسب الظاهر لوجوده وتربيته فقال :وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَإلى آخره . قوله : ( وقيل هو بمعنى قال ) فيكون « حسنا » منصوبا لوقوعه موقع المصدر للفعل المحذوف الذي تعلق به قوله :بِوالِدَيْهِأو بكونه مصدرا له بحذف الزوائد على أن يكون « وصينا » بمعنى قلنا . قوله : ( حسنا ) منصوب على أنه مفعول به لفعل مضمر هو مقول قول مقدر مفسر للتوصية . قوله : ( أولهما ) أمر المخاطب من قولك : أوليته معروفا أي أعطيته إياه يقال : أوليته الشيء فوليه . قوله : ( وهو أوفق لما بعده ) أي تقدير فعل الأمر أوفق لقوله : ( ولا تطعهما ) لأنه إذ كان التقدير أولهما « حسنا » ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه يكون عطف الإنشاء على الإنشاء ، بخلاف ما إذا جعل « وصينا » بمعنى أمرنا فعلى هذا يكون جملة قلنا أولهما كلاما مستأنفا كأنه لما قيل : وصينا الإنسان بوالديه قيل : ما تلك الوصية ؟ فأجيب قلنا أولهما ولا تطعهما فلذلك حسن الوقف على قوله :بِوالِدَيْهِ .قوله : ( وقرىء حسنا ) بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل . وقرىء « إحسانا » كما في قوله :وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً[ البقرة : 83 ؛ النساء : 36 ؛ الأنعام : 151 ] وآيات أخرى . قيل : نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنهما وأمه حمنة ، فإنه لما أسلم وكان من السابقين الأولين قالت أمه : ما هذا الدين الذي أحدثته واللّه لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت . فتعير أبد الدهر ، ويقال لك : قالت أمه . ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب فجاء سعد إليها وقال لها : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي واشربي وإن شئت فلا تأكلي . فلما آيست منه أكلت وشربت ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وأمره بالبر لوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك . أمر اللّه تعالى بالإحسان إلى الوالدين لكونهما سببا ظاهرا لوجود الولد بالولادة ولبقائه بالتربية المعتادة ، كما أنه تعالى سبب حقيقي لوجوده بالإرادة ولبقائه بالإعادة للسعادة الدائمة . فأول ما يجب على العبد أن يحسن حاله مع مولاه ثم مع من أولده ورباه ، فلذلك وصاه اللّه تعالى به بعد ما بيّن حسن التكليف ووقوعه ليتبين به صدق العبد من كذبه ، وأن نفع المجاهدة إنما يرجع إليه وأنه يجزي المحسن بأحسن جزاء