سيده بعد زمان مديد وقد اطلع السيد على أحواله ، فإما أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله أو بسخط لما سخط منها
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
فإن الوقت المضروب للقائه
لَآتٍ
لجاء .
وإذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء كائنا لا محالة فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو ما يستوجب به القربة والرضى .
وَهُوَ السَّمِيعُ
لأقوال العباد
الْعَلِيمُ
( 5 )
شرح
ثم ذكر اللقاء وأريد ذلك الوصول على الاستعارة التصريحية . ووجه الشبه بين الوصول واللقاء أن من وصل إلى ثواب اللّه تعالى أو إلى عاقبة مكثه في الدنيا من الموت والبعث والحساب والجزاء على حسب ما وعد له في الدنيا وقد انكشف له الأمر وتبيّن ما اعتد في الدنيا من أمور الآخرة وصفات اللّه تعالى ووحدانيته ووعده ووعيده فصار كأنه لقي اللّه تعالى وكلمه بهذه الأشياء وبيّنها له ، فإن وصول الآثار المختصة بالشيء تقوم مقام الوصول إلى ذات الشيء ورؤيته أو صار حاله في وصوله إلى عاقبة مكثه في الدنيا كحال من لقيه سيده بالبشر وطلاقه الوجه أو بالسخط والعبوسة . قوله : ( فليبادر ما يحقق أمله ) مبني على ما اختاره من أن المراد بلقاء اللّه تعالى النظر إلى وجهه الكريم في الجنة . قوله : ( أو ما يستوجب به القربة ) مبني على ما قيل من أن المراد بلقاء اللّه تعالى الوصول إلى العاقبة على تمثيل حال الواصل إليه بحال من لقي سيده المطلع على أحواله . قوله : ( وإذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء كائنا لا محالة ) إشارة إلى جواب ما يقال وهو أن قوله :مَنْ كانَ يَرْجُواشرط وجزاؤهفَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍوالمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فيلزم منه أن من لا يرجو لقاء اللّه تعالى لا يكون أجل اللّه تعالى آتيا له ، والأجل آت لكل أحد لا محالة فما وجه جعل رجاء اللقاء شرطا لإتيان الأجل ؟ والشرط لا بد أن يكون سببا للجزاء أو الإخبار به ولا تظهر السببية بأحد المعنيين ههنا . ومحصول الجواب أن قوله :فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍليس بجزاء بل هو قائم مقام الجزاء فإن أصل الكلام من كان يرجو لقاء اللّه فليبادر للعمل الصالح الذي يحقق أمله ، أو الذي يستحق به القربة والرضى فإن أجل اللّه لآت عن قريب إلا أنه أقيم ما هو السبب لأجل الجزاء وهو كون أجل اللّه آتيا عن قريب مقام ذلك الجزاء المسبب ، ثم علّل الأمر بمبادرة الأعمال الصالحة بقوله :وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُأي وهو المجازي لجميع صالحات أعماله ، فإن العمل الصالح لا يخرج عن ثلاثة أقسام : أحدها عمل القلب كالتصديق والنية الخالصة وغيرهما وهو لا يرى ولا يسمع ولا يتعلق به إلا العلم ، وثانيها عمل اللسان وهو يسمع ، وثالثها عمل الأعضاء والجوارح وهو إن كان من قبيل المبصرات إلا أن علمه تعالى بذلك لما لم يكن باستعانة الآلة جعل من قبيل عمل القلب ، وأشار إلى إحاطة علمه به بقوله :الْعَلِيمُوهاهنا لطيفة وهي أن من أتى بهذه الأعمال الصالحة جعل اللّه تعالى لمسموعه ما لا أذن سمعت ولمرئيه