فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح .
أَنْ يَسْبِقُونا
أن يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم . وهو ساد مسد مفعولي « حسب و « أم » منقطعة والإضراب فيها لأن هذا الحسبان أبطل من الأول ، ولهذا عقبه بقوله :
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( 4 ) أي بئس الذي يحكمونه أو حكما يحكمونه حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم .
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
في الجنة وقيل : المراد بلقاء اللّه الوصول إلى ثوابه أو إلى العاقبة من الموت والبعث والحساب والجزاء على تمثيل حاله بحال عبد قدم على
شرح
من عرف وصدق به وطمع في السبق أي الفوت ، وذلك لغفلتهم وإصرارهم على المعاصي مع ظهور الدليل القائم على أنه لا بد من البعث والجزاء فأنكر عليهم ذلك الطمع والحسبان .
فكان حاصل المعنى : أن الجزاء يلحقهم البتة لأنه لما أنكر حسبانهم السبق أي الفوت تبين أنهم لا يفوتون فلا محالة يلحقهم العذاب لأجل ثباتهم على الكفر والمعاصي فكيف لا يحترزون عنه ؟ قوله تعالى :( أَنْ يَسْبِقُونا )لما اشتمل على المسند والمسند إليه سد مسد مفعولي « حسب » والمعنى : أظن المسيئون أنهم يفوتوننا فلا نقدر على الانتقام منهم ؟ وهو في قوة قولنا : أحسبوا أنفسهم فائتين ؟ و « أم » منقطعة مقدرة ب « بل » والهمزة والإضراب لأجل الانتقال لا لإبطال السابق لأن إنكار الحسبان الأول ليس بباطل إلا أن الحسبان الثاني أبطل وأولى بالإنكار ، وذلك لأن صاحب الحسبان الأول يقرر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ، والثاني أبطل لأنه خلاف ما يقتضيه العقل والنقل ، والأول إنما يخالف النقل فقط ولم تجعل « أم » هذه متصلة متعادلة لهمزة الاستفهام في قوله : « أحسب الناس » لوجهين : أحدهما أن ما بعدها ليس مفرد أولا في قوة المفرد ، والثاني أنه لم يكن هنا ما يجاب به عن أحد الشيئين أو الأشياء . قوله : ( أي بئس الذي يحكمونه ) يريد أن ساء بمعنى بئس ، وأن « ما » يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي و « يحكمون » صلتها والعائد محذوف ، والموصول مع صلته في محل الرفع على أنه فاعل « بئس » فيكون فاعل بئس كالمعرف باللام ، ويكون المخصوص بالذم محذوفا أي بئس الحكم الذي يحكمونه حكمهم هذا . ويجوز أن يكون الفاعل مضمرا مفسرا ب « ما » وهي في محل النصب على التمييز و « يحكمون » صفتها بحذف العائد ، والمخصوص أيضا محذوف والتقدير : بئس الحكم حكما يحكمونه حكمهم هذا حين ظنوا ذلك . قال الإمام : لما بيّن حسن التكليف بقوله :أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوابيّن أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال ، ولا يفوت اللّه شيء في الحال ولا في المآل . قوله : ( وقيل المراد بلقاء اللّه تعالى ) أي قال من ذهب إلى أن لقاء اللّه تعالى بمعنى إبصاره غير ممكن إن المراد بلقاء اللّه عز وجل الوصول إلى ثوابه أو إلى العاقبة بأن استعير اللقاء للوصول المذكور حيث شبّه الوصول باللقاء