تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
بغير استحقاق
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ
( 39 ) بالنشور . وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الجيم
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ
كما مر بيانه . وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ واستحقار للمأخوذين كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم . ونظيره :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : 67 ]
فَانْظُرْ
يا محمد
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
( 40 ) وحذر قومك عن مثلها
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً
قدوة للضلال بالحمل على
شرح
النداء وقيل يا هامان أوقد لي ، لزم أن يقدم ذكر هامان على ذكر نفسه ولم يرض به تعظما وتجبرا . قوله : ( كأنه أخذهم مع كثرتهم ) روي أن جنوده يوم خرج خلف موسى كانوا ألف ألف وستمائة ألف . فإن أفعال العباد واقعة بأسباب ومرجحات تفيض عليهم من عنده تعالى وذلك إن كان نحو طاعة يسمى توفيقا ولطفا وإن كان نحو معصية يسمى خذلانا وطبعا . كذا ذكره في شرح المصابيح . قوله : ( بالجمل على الإضلال ) متعلق بقوله :وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةًأي صيرناهم قدوة لأهل الضلال بأن حملناهم على إضلال أولئك . فالآية من جملة ما تمسك به أصحابنا في أنه تعالى خالق للخير والشر حيث ذكر فيها أنه تعالى جعلهم قادة ورؤساء يدعون أتباعهم إلى عمل يوجب النار من الكفر وأنواع المعاصي ، كما ذكر في حق الرسل وأهل الخير أنه تعالى جعلهم أئمة يدعون إلى الحق والهدى حيث قال :وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا[ الأنبياء : 73 ] فدل ذلك على أنه كان من اللّه تعالى في حق أهل الخير صنع حتى صاروا بذلك أئمة الخير ولم يكن ذلك منه في حق أهل الشر والضلال . ولو كان الأمر كما زعمت المعتزلة من أن رعاية الأصلح واجبة عليه تعالى وهو منحة الألطاف لا منعها ولم يكن من اللّه تعالى عناية خاصة بالرسل وقادة الخير بل كان ذلك منه لكل كافر وفاسق ، لما كان لقوله في حق أحد الفريقينجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِوفي حق الآخر ( جعلناهم أئمة يدعون إلى الهدى والصراط المستقيم ) وجه فدل ذلك على أنه كان منه في أحد الفريقين ما صاروا به أئمة الخير وفي حق الآخر ما صاروا به أئمة الشر . غاية ما في الباب أنه جعل كل فريق إماما يقتدى به فيما هو عليه من الطاعة والعصيان ، فكانوا أئمة بحسب أعمالهم . فظن بذلك أن ما كان من اللّه تعالى إليهم فهو على السواء فيما بينهم وما كان بينهم من التفاضل ليس إلا بحسب تفاوت أعمالهم لا بأن اللّه تعالى جعل بعضهم أئمة الخير وبعضهم أئمة الشر ، وليس كذلك لأن ما صدر عنهم من الخير والشر وإن كان سببا لجعلهم أئمة فيما هم عليه من الخير والشر إلا أنه تعالى له