تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
بإله غيره دون وجوده ، إذ لم يكن عنده ما يقتضى الجزم بعدمه . ولذلك أمر ببناء الصرح ليصعد عليه ويطلع على الحال بقوله :
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى
كأنه توهم أنه لو كان لكان جسما في السماء يمكن الترقي إليه . ثم قال :
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
( 38 ) أو أراد أن يبني له رصد يترصد منه أوضاع الكواكب فيرى هل فيها ما يدل على بعثة رسول وتبدل دولة . وقيل : المراد بنفي العلم نفي المعلوم كقوله :
أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[ يونس : 18 ] فإن معناه بما ليس فيهن . وهذا من خواص العلوم الفعلية فإنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفائها انتفاؤها ، ولا كذلك العلوم الانفعالية . قيل : أول من اتخذ الآجر فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة ما فيه من تعظيم ، ولذلك نادى هامان باسمه ب « يا » في وسط الكلام .
شرح
إِلهٍ غَيْرِيوكان يقول : لا يجب على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره كما قيل :لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا حبالهم سارواوهذا هو المراد من ادعائه الإلهية لا كما يظن من أنه يدعي كونه خالقا للسموات والأرض إلا أن قوله هذا فيه نوع مناقضة لقول أصحابه في حق موسىوَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَفإن من يزعم تفرده بالألوهية كيف يكون له آلهة ؟ فكأنه قال : هذا الكلام لملئه وأشراف قومه بخصوصهم فإنه كان اتخذ للأتباع والسفلة أصناما يعبدونها وجعل للملأ عبادة نفسه فإنه لم ير الأتباع أهلا لعبادة نفسه جعل لهم عبادة الأصنام من حيث إنه لم ير أنهم أهل لعبادته . قوله : ( ولذلك أمر ببناء الصرح ) أي أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة حيث قال : أوقد لي على الطين ولم يقل اطبخ لي الآجر واتخذه . والوجه في كون التعريض بتعليم الصنعة مبنيا على التعظيم أن إيقاد النار على الشيء المسمى بالطين أمر هيّن حقير يقدر عليه العجائز والصبيان ، فيكون التعبير عن الأمر بطبخ الآجر الذي يكفي لبناء الصرح المذكور بقوله : أوقد لي على الطين مبنيا على الإهانة بطبخه وعدم الاعتداد به ، ولأن طبخ الآجر صنعة خسيسة لا يليق بالملوك وعظماء الناس أن يأمروا بها ويذكروا اسمها على ملأ الناس ، فهذا معنى قوله : مع ما فيه من تعظيم » . وكذلك كل واحد من نداء وزيره باسم العلم من غير تكنية وتلقيب وندائه بحرف « يا » الموضوع لنداء البعيد مع كون المنادى قريبا وندائه في وسط الكلام مع أن العادة تقديم النداء على المنادى له مبني على التعظيم والتجبر ودليل عليه . أما كون الأولين مبنيين على التعظم فظاهر وأما كون الثالث مبنيا عليه فلأنه لو قدم