قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ
ليكافئك
أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
جزاء سقيك لنا . ولعل موسى إنما أجابها ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر بمعرفته لا طمعا في الأجر . بل روي أنه لما جاءه قدم إليه طعاما فامتنع عنه وقال : أنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا حتى قال شعيب : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا هذا وإن من فعل معروفا فأهدى بشيء لم يحرم أخذه .
فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 25 ) يريد فرعون وقومه .
قالَتْ إِحْداهُما
يعني التي استدعته
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
لرعي الغنم
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
( 26 ) تعليل جامع يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار وللمبالغة فيه جعل « خير » اسما وذكر
شرح
منه : رجل خفر بكسر الفاء وجارية خفرة متخفرة أي مستحيية أشد الحياء . قوله : ( ولعل موسى عليه الصلاة والسّلام ) جواب عما يقال : إنه سقى أغنامهما تقربا إلى اللّه تعالى خالصا لوجهه فكيف يليق أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز في الشريعة . روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس قال : ما أعجلكما ! قالتا : وجدنا رجلا رحمنا فسقى لنا . فقال لإحداهما : اذهبي فاستدعيه لي . فلما أتته وبلغت إليه رسالة أبيها تبعها موسى فألصقت الريح ثوبها بجسدها فوصفت جسدها لموسى لأن الريح كانت تجيء من خلفها ، فجعل موسى يعرض عنها مرة ويغض بصره أخرى فناداها : يا أمة اللّه كوني خلفي واريني الطريق بقولك .
وفي رواية : بحجر ترمين به إلى قدامي إن أخطأت الطريق . فلما دخل على شعيب وكان العشاء يهيأ قال له شعيب : اجلس يا شاب فتعش . فقال له موسى : أعوذ باللّه . فقال له شعيب : ولم ذلك ألست بجائع ؟ قال : بلى ولكني أخاف أن يكون عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا . فقال له شعيب : لا واللّه يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام . فجلس موسى يأكل . قال الضحاك : لما دخل عليه قال له : من أنت يا عبد اللّه ؟ قال : أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب . وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه فقال له شعيب عليه الصلاة والسّلام :لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَأي لا سلطان له بأرضنا ولسنا في مملكته .
فإن قيل : إن المفسرين قالوا : إن فرعون يوم خرج على إثر موسى ركب في ألف ألف وستمائة ألف والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار ملكه ؟ والجواب أن هذا وإن كان نادرا لكنه ليس بمحال . والقصص مصدر قص قصا وقصصا سمي به المقصوص . قوله : ( استأجره ) أي اتخذه أجيرا ليرعى أغنامنا ثم قالت :إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُمن قوي على العمل وأدّى الأمانة . قوله : ( وللمبالغة فيه الخ )