زيادة تعظيمهم له تسبب لمباشرته إياه . أو تقريرا لنفسه مع الاستهزاء والتكبيت على أسلوب تعريضي كما لو قال لك : من لا يحسن الحظ فيما كتبته بخط رشيق أأنت كتبته فقلت : بل كتبته . أو حكاية لما يلزم منن مذهبهم جوازه . وقيل : إنه في المعنى متعلق بقوله :
إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
وما بينهما اعتراض أو إلى ضمير « فتى » أو إبراهيم وقوله :
« كبيرهم » هذا مبتدأ وخبر ولذلك وقف على فعله ، وما روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال : « لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » . تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته .
شرح
على الكبير ما يدل على زيادة تعظيمهم له وتخصيصهم إياه بمزيد التواضع والخضوع اشتد بغضه وغيظه له فحمله ذلك البغض على ما فعل بتلك الأصنام . فلذلك أسند الفعل إلى الكبير لا لأنه هو المباشر للفعل إلا أنه أبقى الكبير مع أنه هو السبب الحامل له على استهانة الأصنام وكسرها ليورد عليهم هذا القول الموهم لكون الإسناد إليه حقيقيا ليظهر جهلهم في عبادة الأصنام . وثانيا بأنه عليه الصلاة والسّلام لم يقصد بإسناد الفعل إلى الكبير أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم الكبير ، بل قصد به تقرير الفعل لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي مع الاستهزاء بالكبير ، لأن إثبات الفعل الدائر بين شخصين لمن هو العاجز منهما استهزاء بالعاجز وإثبات للقادر منهما ، كما إذا أجبت من قال لك : أنت كتبت هذا ؟ وأنت شهير بحسن الخط وهو أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على الخرمشة الفاسدة بل كتبته أنت ، فإن قصدك بهذا الجواب تقديرا لكتبة لك مع الاستهزاء بالأمي لا نفيه عنك وإثباته للأمي . وثالثا بأنه لم يسند الفعل إليه اعتقادا بل أسنده حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه كأنه قال : كيف تنكرون أن يفعله كبيرهم ؟ فإن من حق من يعبد ويدعى إلها أن يقدر على هذا الفعل وعلى ما هو أعظم منه . ويؤيد هذا الجواب ما حكي أنه قال لهم :بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْبناء على أنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها هيئة وأشرف جوهرا ، فإنه لا وجه لهذا القول إلا بأن يكون على سبيل الحكاية لما يلزم من مذهبهم .
ورابعا بأن إسناد الفعل إلى الكبير مشروط بقوله :إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَجعل النطق شرطا للفعل وأراد به أنهم إن قدروا على النطق قدروا على الفعل ، فلما ظهر عجزهم عن النطق تبين عجزهم عن الفعل أيضا . وقوله :فَسْئَلُوهُمْاعتراض بين الشرط والجزاء وهذا الجواب يتضمن تجهيل القوم وإسناد الفعل إلى نفسه . ولم يرض المصنف بحمل جوابه عليه الصلاة والسّلام على هذا المعنى لكونه تعسفا ومخالفا لظاهر النظم . وخامسا بأن الكذب إنما يلزم على تقدير أن يكون الفعل مسندا إلى كبيرهم ولا نسلم ذلك لم لا يجوز أن يكون مسندا إلى ضمير « فتى » أو « إبراهيم » ؟ ولما ظهر بهذه الأجوبة أن قوله :بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ