عدل به من الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته ، والتنبيه على أن إنبات الحدائق البهية المختلفة الأنواع المتباعدة الطباع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره ، كما أشار إليه بقوله :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
شجر الحدائق وهي البساتين من الأحداق وهو الإحاطة
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أغيره يقرن به ويجعل له شريكا وهو المتفرد بالخلق والتكوين ؟ وقرىء « أإلها » بإضمار فعل مثل أتدعون أو أتشركون وبتوسيط مدة بين الهمزتين ، وإخراج الثانية بين بين .
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
( 60 ) عن الحق الذي هو التوحيد .
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
بدل من أم من خلق السماوات وجعلها قرارا بإبداء بعضها من الماء وتسويتها بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها .
وَجَعَلَ خِلالَها
وسطها
أَنْهاراً
جارية
وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ
جبالا تتكون فيها المعادن
شرح
التسوية ، و « من » موصولة مرفوعة المحل على الابتداء وخبرها محذوف والتقدير : بل أم من خلق السماوات والأرض خير ؟ إضراب عن السؤال بأيهما خير إلى تقريرهم أي حملهم على الإقرار بأن من قدر على خلق العالم فهو خير من جماد لا يقدر على شيء ، كأنه قيل : دعوا هذا السؤال ألستم تقرون بأنه تعالى خالق العالم فهو خير من جماد لا يقدر فهو استفهام تقرير . قوله : ( لتأكيد اختصاص الفعل بذاته تعالى ) فإنه لو أخرج الكلام على مقتضى الظاهر وقيل : فأنبت به حدائق لأفاد الكلام اختصاص الإنبات به تعالى بحكم المقابلة بين الشركاء وخالق العالم ، فلما التفت ونسب الفعل إلى ذاته تأكذ ذلك الاختصاص حيث دل عليه بأمرين . قوله : ( من الأحداق وهو الإحاطة ) فإن الحديقة كل روضة وبستان عليه حوائط .
وإنشاز محدقة أي محيطة به . والنشز المكان المرتفع . قوله : ( أغيره يقرن به ) يعني أنه استفهام إنكار بمعنى هل معه معبود سواه أعانه على خلق أصول الكائنات وإنزال ما ينبت به أرزاق المخلوقات ؟ وليس له شريك في ذلك وإنما جاز الابتداء بالنكرة وهو إله لتخصيصه بالعموم المستفاد من همزة الإنكار الداخلة على النكرة . قوله : ( يعدلون عن الحق ) على أنه من العدول . وقيل : هو من العدل بمعنى التسوية . والمعنى : بل هم ، يعني كفار مكة ، قوم يعدلون باللّه غيره وهو الأصنام . قوله : ( بدل من أم من خلق ) فتكون « أم » فيه منقطعة ويكون معنى الهمزة التقرير كما في المبدل منه . قوله : ( خلالها ) يجوز أن يكون ظرفا لجعل بمعنى خلق المتعدية إلى مفعول واحد ، وأن يكون في محل المفعول الثاني لجعل على أن يكون بمعنى صيّر . قوله : ( جبالا تتكون فيها المعادن ) بيان لوجه كون خلق الجبال في الأرض من جملة وجوه الأنعام . وذلك لأن أكثر العيون والأشجار والمعدنيات إنما تتكون في الجبال وفيما يقرب منها . والرواسي من الجبال الثوابت الرواسخ من رسا الشيء يرسو أي ثبت . ولم يذكر من منافع الجبال كونها حافظة للأرض عن الميلان كما قال اللّه تعالى :وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ