فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ
( 57 ) قدّرنا كونها من الباقين في العذاب
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
( 58 ) مر مثله .
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى
أمر رسوله بعد ما قصّ عليه القصص الدالة على كمال قدرته وعظم شأنه وما خص به رسله من الآيات الكبرى ، والانتصار من العدى بتحميده والسّلام على المصطفين من عبيده شكرا على ما أنعم عليه وعلمه ما جهل من أحوالهم وعرفانا لفضلهم وحق تقدمهم واجتهادهم في الدين . أو لوطا بأن يحمده على هلاك كفرة قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش والنجاة من الهلاك .
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
( 59 ) إلزام لهم وتهكم بهم وتسفيه لرأيهم . إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه رأسا حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل خير .
وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء .
أَمَّنْ
بل أم من
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
التي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع . وقرىء « أمن » بالتخفيف على أنه بدل من اللّه .
وَأَنْزَلَ لَكُمْ
لأجلكم
مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ
شرح
قوله : ( قدرنا كونها من الباقين ) يريد أن المضاف مقدر في قوله : « قدرناها » لأن التقدير متعلق بغبورها وكونها من زمرة الباقين في العذاب لا بذاتها ، فإنها إن بقيت مع جملة من بقي في القرية أهلكها اللّه بعذاب الائتفاك ، وإن خرجت منها مع لوط عليه الصلاة والسّلام هلكت بأن أصابها حجر في الطريق . والمتبادر من هذه الآية أن إمطار الحجارة غير مختص بشذاذ القوم بل هو أمر شامل لجميعهم وأن الباقين في القرى المؤتفكات أهلكوا بنوع آخر من العذاب أيضا . قوله : ( إلزام لهم ) يعني أن الآية بظاهرها وإن دلت على أن المقصود الموازنة بينه تعالى وبين الأصنام واستعلام أنه تعالى خير لمن عبده أم الأصنام لعابديها ، ولا وجه له ضرورة أن أحدا من العقلاء لا يزن المخلوق العاجز بالخالق القادر على كل شيء في معنى الخيرية ، بل المقصود إلزام المشركين والتهكم بهم وتسفيه رأيهم . بيّن اللّه تعالى أولا إهلاك كفار الأمم السالفة ونجاة الموحدين المؤمنين ، ثم خاطب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وأمره أن يحمد اللّه تعالى على هلاك المشركين السالفين ويسلم على المصطفى للتوحيد والإيمان من عبيده ، أو خاطب لوطا عليه الصلاة والسّلام وأمره بذلك . ثم التفت إلى المشركين وخاطبهم على سبيل التبكيت والإلزام بقوله : ( الله خير أم ما تشركون ) ومن قرأ « يشركون » بياء الغيبة حمله على ما قبله من قوله :وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْوما بعده من قوله :بَلْ أَكْثَرُهُمْو « أم » في قوله :
( أم ما يشركون ) متصلة عاطفة بمعنى أيهما خير . و « ما » بمعنى « الذي » وقيل : مصدرية على حذف المضاف من الأول أي أتوحيد اللّه خير أم شرككم . و « أم » في قولهأَمَّنْمنقطعة بمعنى « بل » والهمزة أشار إليه المصنف بقوله : « بل أم من » لعدم تقدم همزة الاستفهام وقصد