الغيب مبالغة في نفيه عنهم ، أو متصل على أن المراد ممن في السماوات والأرض من تعلق علمه بها واطلع عليها اطلاع الحاضر فيها ، فإنه يعم اللّه تعالى وأولي العلم من خلقه
شرح
فإنهم يقولون : ما جاءني أحد إلا حمارا ، ورفع المستثنى المنقطع في الآية مبني على لغة بني تميم فإنهم يقولون : ما في الدار أحد إلا حمار ، ويجعلون المستثنى المنقطع في حكم المفرغ ويقولون : قولك : ما في الدار أحد إلا حمار أصله : ما فيها إلا حمار على أن يكون المستثنى منه المقدر أعم العام بمعنى ما في الدار شيء إلا حمار إلا أن المتكلم لما ظن أن المخاطب يستبعد خلو الدار من الآدمي ذكر الأحد من جملة إفراد المستثنى منه المقدر تأكيدا لمنع كون الآدمي فيها ، وأبقى إعراب المستثنى مرفوعا على ما كان عليه في الأصل تنبيها على الأصل وقد كان المستثنى في الأصل مرفوعا على الفاعلية فلما ذكر الأحد كان بدلا منه . فعلى هذا الوجه لا يكون المستثنى المنقطع من قبيل المتصل حيث لم يعتبر دخول المستثنى في المستثنى منه الذي جعل بدلا . وهو الذي يفهم من قول صاحب الكشاف يقولون : ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحدا لم يذكر إلا أن قوله بعد ذلك ، أخرج المستثنى مخرج قوله إلا اليعافير بعد قوله : ليس بها أنيس ، ليؤول المعنى إلى قولك : إن كان اللّه ممن في السماوات والأرض ففيها من يعلم الغيب يدل على أنه جعل المنقطع كالمتصل ، وقدر دخوله في المستثنى منه ليشتمل الكلام على التعليق بالمحال ليفيد الكلام المبالغة في نفي علم الغيب عن أهل السماوات والأرض . وهذه المبالغة لا تحصل على تقدير النصب لأنه حينئذ يكون المعنى : لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب لكن اللّه يعلمه فيكون نصبه على أنه اسم « لكن » وتفوت هذه المبالغة المبنية على تعليق علمهم الغيب بالمحال . قوله :
( أو متصل ) فلا يحتاج في رفع المستثنى إلى العدول عن مذهب الحجازيين إلى مذهب بني تميم ، لأن المستثنى المتصل يجوز فيه النصب ويختار البدل في كلام غير موجب إذا كان المستثنى منه مذكورا باتفاق الجمهور . والآية الكريمة من هذا القبيل . ووجه اندراجه تعالى فيمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِقوله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : 4 ] وقول المتكلمين اللّه في كل مكان على معنى أن علمه في الأماكن كلها فكأن ذاته فيها . ورد صاحب الكشاف هذا الوجه بأنه يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة ، وبيانه أن الظرفية المستفادة من قوله :مَنْ فِي السَّماواتِحقيقة بالنسبة إلى غير اللّه تعالى ومجاز بالنسبة إليه تعالى ولا يجوز الجمع بينهما في كلمة واحدة عند أكثر العلماء ، وإن قال به الإمام الشافعي رحمه اللّه كما في قولهم : القلم أحد اللسانين والخال أحد الأبوين ، ومنه قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ[ الأحزاب : 56 ] وجوّزه المصنف إما بناء على مذهبه وإما بناء على ما ذكره الإمام وهو قوله : لا يقال كونه تعالى في السماوات والأرض