الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع وصفاته صريحا أو التزاما ، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل ، والأمر بالإسلام والجامع لأمهات الفضائل وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد . فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الأدلة .
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي
أجيبوني في أمري الفتى واذكروا ما تستصوبون فيه .
ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً
ما أبت أمرا
حَتَّى تَشْهَدُونِ
( 32 ) إلا بمحضركم استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإجابة .
قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ
بالأجساد والعدد .
وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ
نجدة وشجاعة
وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ
موكول
فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ
( 33 ) من المقاتلة والصلح نطعك ونتبع رأيك .
شرح
تَعْلُوا عَلَيَّولا تتكبروا وإن كانت مصدرية تكون مع صلتها في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أو على أنه بدل من كتاب كأنه قيل : ألقي إليّ أن لا تعلوا .
قوله : ( مع كمال الدلالة على المقصود ) وهو الدعوة إلى الاستكمال بالقوة النظرية والعملية والتحلي بالفضائل العلمية والعملية والعلم مقدم على العمل ، فابتدأ بقوله :بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِلاشتماله على إثبات الصانع تعالى وصفاته صريحا والتزاما . أما صريحا فظاهر ، وأما التزاما فلأن ما ذكر صريحا يستلزم كونه تعالى حيا مريدا عالما قادرا . ولما ورد أن يقال : النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامته ما يدل على رسالته حقا يدل على الاكتفاء بالتقليد والدعوة إليه . أجاب عنه بأن لا تقليد . والحال أن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجزة ، والمعجزة تدل على وجود الصانع وعلى صفاته وتدل على صدق مدّعي الرسالة ، فلما كانت رسالة الهدهد دليلا تاما على التوحيد والنبوة لم يحتج إلى ذكر دليل آخر . روي أن نسخة الكتاب كانت هكذا : بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السّلام على من اتبع الهدى . أما بعد ، فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين . وكانت كتب الأنبياء جملا لا يطيلون ولا يكثرون . ويجوز أن يكون الكتاب أطول من هذا القدر لكن اللّه تعالى ذكر ما هو المقصود منه وهو دعاؤها إلى التوحيد . قوله : ( في أمري الفتى ) أي الحادث عن قريب ، والفتى الشاب والفتاة الشابة ، والفتوى هي الجواب في الحادثة . والمعنى : أشيروا عليّ بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث من الأمر بلفظ مشتق من الفتاء في السن وهو بلفظ الفتوى لجامع الحداثة . قوله :
( ليمالئوها ) أي ليعاونوها . يقال : مالأته على الأمر ممالأة أي ساعدته عليه مساعدة وتمالؤوا على الأمر أي اجتمعوا عليه وتعاونوا . فأجابها قومها بأن ذكروا لها قوتهم وشجاعتهم تعريضا منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك ثم قالوا :وَالْأَمْرُ إِلَيْكِأي في القتال وتركه . ولما أحست