تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
تزييف لما أحست منهم من الميل إلى المقاتلة بادعائهم القوى الذاتية والعرضية ، وإشعار بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان خططهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم . ثم إن الحرب سجال لا يدري عاقبتها .
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
بنهب أموالهم وتخريب ديارهم إلى غير ذلك من الإهانة والأسر .
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
( 34 ) تأكيد لما وصفت لها حالهم وتقرير بأن ذلك من عادتهم الثابتة المستمرة ، أو تصديق لها من اللّه عز وجل .
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ
بيان لما ترى تقديمه للمصالحة والمعنى : إني مرسلة رسلا بهدية أدفعه بها عن ملكي
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
( 35 ) من حاله حتى أعمل بحسب ذلك . روي أنها بعثت منذر بن عمرو في وفد وأرسلت معهم غلمانا على زي الجواري وجواري على زي الغلمان وجقا فيه درة غذراء وجزعة معوجة الثقب . وقالت : إن كان نبيا ميّز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة خيطا . فلما وصلوا إلى معسكره ورأوا عظم شأنه تقاصر إليهم نفوسهم ، فلما وقفوا بين يديه وقد سقبهم جبريل بالحال طلب الحق وأخبر عما فيه فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفدت في الدرة ، وأمر دودة بيضاء فأخذت الخيط ونفذت في الجزعة ، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها ، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه . ثم رد الهدية .
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ
أي الرسول أو ما أهدت إليه . وقرىء « فلما جاؤوا » .
قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ
خطاب للرسول ومن معه أو للرسول والمرسل على تغليب المخاطب .
شرح
منهم الميل إلى المحاربة رأت أن من الرأي الميل إلى الصلح والابتداء بما هو أحسن فزيفت أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه وقالت :إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةًعنوة وقهرا خربوها وقوله تعالى :وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَمن تمام قولها أرادت وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير لأنها كانت ربيت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت . ويجوز أن ينتهي كلامها عند قولها :أَذِلَّةًثم صدقها اللّه تعالى فيما قالت فقال :وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَأي وكما قالت هي تفعل الملوك . ثم قالت : الرأي المستقيم أن نبتدىء بإرسال رسل ملتبسين بهدية فننظربِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَوقوله :« بِمَ »متعلق « بيرجع » لا بقوله : « ناظرة » لأن اسم الاستفهام له صدر الكلام . واعلم أن بلقيس كانت امرأة لبيبة حيث اختارت أن ترسل إليهم أي إلى سليمان وقومه هدية وأن تختبر بها أملك هو أم نبي وقالت : إن يكن ملكا قبل الهدية ورضي بها وإن يكن نبيا لم يقبل الهدية ولم يرض منا إلا بأن نتبعه على دينه ، فذلك قولهافَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَفإن هذا الكلام يدل على أنها لم تثق بالقبول وجوّزت الرد وأرادت أن