تأويل القبيلة أو البلدة
بِنَبَإٍ يَقِينٍ
( 22 ) بخبر محقق . روي أنه عليه السّلام لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج فوافى الحرم وأقام بها ما شاء ، ثم توجه إلى اليمن فخرج من مكة صباحا فوافى صنعاء ظهيرة فأعجبته نزاهة أرضها فنزل بها ثم لم يجد الماء وكان الهدهد رائده لأنه يحسن طلب الماء فتفقده لذلك فلم يجده ، إذ حلق حين نزل سليمان فرأى هدهدا واقفا فانحط إليه فتواصفا فطار معه لينظر ما وصف له ، ثم رجع بعد العصر وحكى ما حكى . ولعل في عجائب قدرة اللّه وما خص به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك يستكبرها من يعرفها ويستنكرها من ينكرها .
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ
يعني بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان . والضمير في
« تَمْلِكُهُمْ »
لسبأ أو لأهلها .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
يحتاج إليه الملوك
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
( 23 ) عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها . وقيل : كان ثلاثين
شرح
قوله : ( وكان الهدهد رائده ) أي طالبا يطلب له الماء يقال : راد الكلأ يروده رودا وريادة أي طلبه فهو رائد . وكان الهدهد قنقن سليمان وهو الدليل الهادي البصير بالماء تحت الأرض وكيفية حفر القنى ، وكذلك القناقن بالضم والجمع القناقن بالفتح ، وكان الهدهد يرى الماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة ، ويعرف الفصل وبين قريبه وبعيده فيدلهم على موضع الماء بأن ينقره بمنقاره ، ثم الشياطين يسلخون عنه الأرض كما يسلخ الإهاب عن المذبوح . ذكر أن ابن عباس رضي اللّه عنه لما قال : إن سليمان طلبه لأنه كان يعلم مسقاة الماء ويبصره تحت الأرض قيل له : إن الصبي يضع له الفخ فيغطيه بالتراب فكيف لا يعرفه حتى يقع فيه ؟ فقال : ويحك أما علمت أن القدر يحول دون البصر وأنه إذا جاء القضاء عمي البصر . قوله : ( فوافى الحرم ) أي أتاه . قوله : ( إذ حلق ) علة لقوله : « لم يجده » وتحليق الطائر ارتفاعه في طيرانه .
قوله : ( فتواصفا ) أي وصف كل واحد من الهدهدين ملك صاحبه : وصف هدهد سليمان للآخر ملك سليمان وما يتخوله من كل شيء ، ووصف هدهد بلقيس ملك بلقيس وأن تحت يدها اثني عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة . قوله : ( والضمير في تملكهم لسبأ ) يعني ضمير « تملكهم » « لسبأ » إن أريد به القبيلة أو « لأهلها » إن أريد بها البلدة بإضمار أهلها أو بطريق الاستخدام حيث أريد بالاسم الظاهر أحد معنييه وبضميره معناه الآخر . قوله :
( وأوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك ) حمل كل شيء في حق بلقيس على أسباب الدنيا ولوازم الملوك لئلا يلزم التسوية بينها وبين سليمان عليه الصلاة والسّلام ، فإن المراد بقوله عليه الصلاة والسّلام :وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ[ النمل : 16 ] ما أوتي من النبوة والعلم والحكمة والملك وأسباب الدنيا . قوله : ( عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها ) جواب عما يقال :