يحطمونها كقولهم : لا أرينك ههنا ، فهو استئناف وبدل من الأمر لا جواب له فإن النون لا يدخله في السعة
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 18 ) أنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإيذاء . وقيل : استئناف أي فهم سليمان والقوم لا يشعرون .
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
تعجبا من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها ، أو سرورا مما خصه اللّه به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره .
وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
اجعلني أزع شكر نعمتك عندي أي اكفه وارتبطه لا ينفلت عني بحيث لا أنفك عنه . وقرىء « البزي » وورش بفتح ياء
شرح
بحسب الظاهر إلى المتكلم لكنه كناية عن نهي المخاطب عن الوقوف في مكانه فيراه . فإن وقوف المخاطب فيه ملزوم لرؤية المتكلم إياه فجعل النهي عن اللازم كناية عن النهي عن الملزوم والفاء في قوله : « فهو استئناف أو بدل من الأمر » لتفريع جواز كل واحد من الأمرين على كون النهي المذكور كناية عن نهي النمل عن الوقوف ، لأنه لو كان النهي على ظاهره لما جاز كون« لا يَحْطِمَنَّكُمْ »بدلا من قوله :« ادْخُلُوا »لأن نهي الجماعة لا يصلح أن يكون بدلا من الأمر لجماعة أخرى ، بخلاف ما لو جعل كناية فإن المأمور والمنهي حينئذ يكون جماعة النمل فتصح البدلية . ومعنى كلامه : أنه لما كان نهي الجنود عن الحطم كناية عن نهي النمل عن الوقوف جاز أن يكون« لا يَحْطِمَنَّكُمْ »نهيا مستأنفا لا تعلق له بما قبله من حيث الإعراب ، وأن يكون بدلا من جملة الأمر قبله وهي ادخلوا ولا مدخل لكون النهي كناية في جواز كونه نهيا مستأنفا وإنما المتفرع عليه جواز كل واحد من الأمرين . قوله : ( وقيل استئناف ) عطف على ما فهم من تقرير كلامه من أن قوله :وَهُمْ لا يَشْعُرُونَحال من فاعل« لا يَحْطِمَنَّكُمْ ». قوله تعالى :( فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً )ليس معناه أنه عليه الصلاة والسّلام ضحك متبسما لأن التبسم والضحك لا يجتمعان ، بل أراد أنه بالغ في تبسمه حتى بلغ نهايته التي هي أول مراتب الضحك ، وكأنه قيل : فتبسم شارعا في الضحك وآخذا فيه . قوله :
( ولذلك ) أي ولاختصاصه بهذه النعمة الجليلة التي هي سماعه ما همس به بعض النمل الذي هو مثل في الصغر وإحاطته بمعناه ، فإن أحدا من الناس لم يسمع صوت النملة فضلا عن أن يفهم غرضها منه . قوله : ( اجعلني أزع شكر نعمتك ) إشارة إلى أن همزة « أوزع » للتعدية وأنه من الوزع بمعنى الكف والمنع عن التفرق والانتشار . والوازع من يكف الرعية عن التظالم والفساد وقد مر آنفا أن قوله تعالى :فَهُمْ يُوزَعُونَ[ النمل : 17 ، 83 ؛ فصلت : 19 ] بمعنى يحبسون ويمنعون عن الانتشار حتى يجتمعوا في مسيرهم فإنه أحسن في الهيئة وأهيب في الرؤية . سأل عليه الصلاة والسّلام أن يجعله اللّه تعالى وازعا لجيش شكره فيكون قوله :أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَاستعارة مكنية حيث شبّه الشكر بالجماعة النافرة وجعل تعليق الوزع