تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم مع أنه لا يمتنع أن خلق اللّه فيها العقل والنطق .
لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ
نهي لهم عن الحطم . والمراد نهيها عن التوقف بحيث
شرح
حقيقته بناء على أنه لا يمتنع أن يخلق اللّه تعالى فيها العقل والنطق ، ألا ترى أنه تعالى سخر الريح والشياطين والطير لسليمان عليه الصلاة والسّلام وجعل جميع ذلك جنودا وأعوانا منقادين له لا يخالفونه في شيء مما أمرهم به ؟ وذلك لا يكون إلا بجعلهم عقلاء مميزين ومع ذلك كيف يبعد أن يخلق اللّه تعالى العقل والنطق في النملة ؟ وقد روي أن سليمان لما سمع قول النملة قال : ائتوني بها فأتوه بها . فقال لها : لم حذرت النمل من ظلمي أما علمت أني نبي عدل فلم قلت :لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ؟فقالت النملة : أما سمعت قولي :وَهُمْ لا يَشْعُرُونَومع ذلك أني لم أرد حطم النفوس وإنما أردت حطم القلوب ، خشيت أن يروا ما أنعم اللّه به عليك من الجاه والملك العظيم فيقعوا في كفران النعم فلا أقل من أن يشتغلوا بالنظر إليك عن التسبيح . فقال لها سليمان : عظيني . فقالت النملة : أعلمت لم سمي أبوك داود ؟ قال : لا . قالت : لأنه داوى جراحة قلبه . وهل تدري لم سميت سليمان ؟ قال : لا . قلت : لأنك سليم القلب والصدر . ثم قالت : أتدري لم سخر اللّه لك الريح ؟ قال : لا . قالت : أخبرك اللّه تعالى بذلك أن الدنيا كلها ريح فمن اعتمد عليها فكأنما اعتمد على الريح . وقول النملة :وَهُمْ لا يَشْعُرُونَيدل على أنها عرفت أن النبي عليه الصلاة والسّلام معصوم فلا يقع منه قتل وإيذاء بغير ذنب إلا على سبيل السهو ، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء . ولفظة« نَمْلَةٌ »في قوله تعالى :قالَتْ نَمْلَةٌمؤنث حقيقي بدليل لحوق علامة التأنيث فعلها لأن نملة تطلق على الذكر والأنثى ، فإذا أريد تمييز ذلك احتيج إلى مميز خارجي نحو نملة ذكر ونملة أنثى ، وكذا لفظ حمامة ويمامة من المؤنثات اللفظية . ذكر الإمام أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال : سلوا عما شئتم . وكان أبو حنيفة رحمه اللّه حاضرا وهو غلام حديث السن فقال : سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى ؟ فسألوه فأفحم فقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : كانت أنثى . فقيل له : من أين عرفت ؟ فقال : من كتاب اللّه تعالى وهو قوله :قالَتْ نَمْلَةٌولو كان ذكرا لقيل : قال نملة . وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعهما على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم : حمامة ذكر وحمامة أنثى . انتهى . يعني أن التأنيث لفظي ومعنوي واللفظي لا يعتبر في لحوق علامة التأنيث بالفعل البتة بدليل أنه لا يجوز قامت طلحة ولا حمزة علمي مذكر فتعيّن أن يكون اللحوق إنما للتأنيث المعنوي . قوله : ( نهى لهم عن الحطم ) يعني أن النهي « ولا يحطمنكم » متوجه إلى سليمان وجنوده ظاهرا لكنه كناية في المعنى عن نهي النمل عن الوقوف في مكانهم فيحطمهم سليمان وجنوده كما أن النهي في « لا أرينك ههنا » متوجه