تشهيرا لنعمة اللّه وتنويها بها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير وغير ذلك من عظائم ما أوتيه . والنطق والمنطق في التعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا . وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم : نطقت الحمامة ، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد . فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما هو من جنسه . ولعل سليمان عليه الصلاة والسّلام مهما سمع صوت حيوان علم بقوته الحدسية التخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه به ، ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يصوت ويترقص فقال : يقول : إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء ، وصاحت فاختة فقال : إنها تقول : ليت الخلق لم يخلقوا . فلعله كان
شرح
ما أعطي داود من الملك وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين . قال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكا من داود وكان داود أشد تعبدا من سليمان . قوله : ( تشهيرا لنعمة اللّه تعالى وتنويها بها ) يعني أنه عليه الصلاة والسّلام لم يقل ذلك على سبيل الافتخار بل على سبيل الاعتراف بفضل اللّه تعالى وإحسانه إليه وعلى طريق رفع ذلك الفضل وإعلاء ذكره يقال :
نوهت باسمه إذا رفعت ذكره وأعليت شأنه .
قوله : ( بذكر المعجزة ) متعلق بالدعاء لا بالتصديق وإلا لقيل بالمعجزة . قوله :
( والنطق والمنطق في التعارف ) النطق في الأصل مصدر نطق الرجل ينطق أي تكلم . فأشار المصنف إلى أنه يستعمل في عرف الناس بمعنى الكلام المنطوق الدال على ما في الضمير ثم قال : وقد يستعمل بمعنى الصوت مطلقا سواء صدر عمن له فؤاد وكلام نفسي أم لا . أما على تشبيه صوت من لا فؤاد له بصوت العقلاء في كونه صوتا تابعا للتخييل أو لمجرد التبعية والاطراد بمعنى اسم النطق ، والمنطق لما أطلق على بعض الأصوات أطلق على البواقي أيضا على سبيل الأطراد . ثم أشار إلى وجه الشبه بقوله : « فإن الأصوات الحيوانية » الخ . ثم إنه لما بيّن وجه إطلاق المنطق على صوت الطير قال : ولعل المراد بتعليم سليمان منطق الطير وصوته علمه بالتخيل الذي حمل الطير على ذلك الصوت وبالغرض الذي توخاه بصوته لا أنه يعلم أنه يصوت بذلك الصوت من غير أن يفهم التخيل الذي نشأ منه ذلك الصوت والعفاء بالمد وفتح العين الدروس وذهاب الأثر . وقيل : العفاء التراب قال تعالى في صفة الهدهدفَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ[ النمل : 22 ] وأعجب منه أنه عليه الصلاة والسّلام علم كلام من لا صوت له كالنمل قال تعالى :قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ[ النمل : 18 ] إلى قوله :فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها[ النمل : 19 ] . وروي أنه صاح ورشان فقال عليه الصلاة والسّلام : إنه يقول لدوا للموت