فإن التمثال صورة لا روح فيها لا تضر ولا تنفع . واللام للاختصاص لا للتعدية فإن تعدية العكوف ب « على » والمعنى : أنتم فاعلون العكوف لها ويجوز أن يؤوّل ب « على » أو يضمن العكوف معنى العبادة .
قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ
( 53 ) فقلدناهم وهو جواب عما لزم الاستفهام من السؤال عما اقتضى عبادتها وحملهم عليها .
قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 54 ) منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على عاقل لعدم استناد الفريقين إلى دليل . والتقليد وإن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على حق .
قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ
( 55 ) كأنهم لاستبعادهم تضليل آبائهم ظنوا أن ما قاله على وجه الملاعبة فقالوا : أبجد تقوله أم تلعب به .
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ
إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادعاه وهنّ للسموات والأرض أو للتماثيل وهو ادخل في تضليلهم وإلزام الحجة عليهم .
وَأَنَا
شرح
قوله : ( فإن التمثال ) يعني أنه اسم للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق اللّه تعالى . وأصله من مثلث الشيء بالشيء إذا شبهته به ، واسم ذلك الممثل التمثال . فتح عليه الصلاة والسّلام لهم باب هذا الكلام الدال على تحقير أصنامهم لينظر فيما يوردونه من شبهة فيبطلها عليهم .
قوله : ( ويجوز أن يؤوّل ) أي أي يجوز أن لا ينزل عاكفون منزلة اللازم وتجعل اللام للتعدية بأحد الوجهين . قوله : ( جواب عما لزم الاستفهام ) أي جواب عما يقال : إنه عليه الصلاة والسّلام سألهم عن حقيقة التماثيل المعكوف عليها وهم أجابوه ببيان ما حملهم على عبادتها ، فلا انطباق بين السؤال والجواب . وتقرير الجواب أنه ليس جوابا لنفس الاستفهام بل عما لزمه من السؤال عن المقتضى لعبادتها وذلك السؤال اللازم هو أي شيء حملكم على عبادتها مع أن شأنها من الحقارة ما رأيتموه . والقوم لما لم يجدوا في جوابه إلا طريقة التقليد فأجابوه بأن آباءهم سلكوا قبلهم هذا الطريق فاقتدوا به ، لا جرم أجابهم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بقوله :لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍفبيّن أن الباطل لا يصير حقا بكثرة المتمسكين به . قوله : ( وهنّ للسموات ) فإنه ليس من الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات بل هو لفظ مشترك بين العاقلات وغيرها . قال تعالى :مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ[ التوبة : 36 ] ثم قال :فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ[ التوبة : 36 ] لما سمع إبراهيم عليه الصلاة والسّلام مقالة القوم وعلم أن استفهامهم ذلك مبني على أنهم حسبوا أنه عليه الصلاة والسّلام إنما أنكر عليهم دينهم القديم مع كثرتهم وشوكتهم على وجه المزاح واللعب قال :بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِالآية كأنه قال : ما قلته لكم إنما قلته على سبيل الجد وإظهار الحق ولا برهان على ذلك ، كأنه ليس المراد من الشهادة في قوله :وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَحقيقة